تفسير سفر التكوين
تحليل وشرح إصحاحات السفر
مقدمة: نود في دراستنا لسفر التكوين الالتزام بروح كنيستنا التي تتطلع إلى الكتاب المقدس لا ككتاب علمي أو فلسفي وإنما كسر حياة مع الله يتمتع بها الإنسان ويعيشها، ولهذا عندما كتب القديس باسيليوس الكبير مقالته عن أيام الخليقة الستة أوضح أن عمل الكنيسة ليس البحث عن طبيعة الأشياء والمخلوقات وإنما دراسة عملها ونفعها.
(1) اللـه الخالق بدأ سفر التكوين بهذه الافتتاحية البسيطة:
'في البدء خلق الله السموات والأرض' (ع 1) إن كان التعبير 'في البدء' لا يعني زمناً معيناً، إذ لم يكن الزمن قد أوجد بعد، حيث لم تكن توجد الكواكب بنظمها الدقيقة، لكنه يعني أن العالم المادي له بداية وليس كما ادعى بعض الفلاسفة أنه أزلي، يشارك الله في أزليته. 'في البدء' لا يعني زمناً وإلا كان للبدء بداية ونهاية، لكن 'البدء' هنا يعني حركة أولى لا كماً زمنياً، كقول الكتاب: 'بدء الحكمة مخافة الله' (أم 9: 10). يأخذ كثير من الآباء بأن عبارة 'في البدء' من الجانب الروحي تعني 'في المسيح يسوع' أو 'في كلمة الله' خلقت السموات والأرض.. عندما سأل اليهود السيد المسيح: من أنت؟ أجابهم: 'أنا هو البدء' (يو 8: 25). هكذا في البدء خلق الله السموات والأرض. + من هو بدء كل شيء إلا ربنا ومخلص جميع الناس (1تي 4: 10) يسوع المسيح، : 'بكر كل خليقة' (كو 1: 15)؟ وكما يقول الإنجيلي يوحنا في بداية إنجيله: 'في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله، هذا كان في البدء عند الله، كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان' (يو 1: 1 – 3). فالكتاب لم يتحدث عن بداية زمنية، إنما عن هذه البداية التي هي المخلص، إذ به صنعت السموات والأرض.(2) روح اللـه والمياه :
'وكانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الله يرف على وجه المياه' (ع 2). في الترجمة السبعينية قيل عن الأرض: 'غير منظورة وغير كاملة'، غير منظورة لعدم خلق الإنسان بعد لكي يراها، ولأن المياه كانت تغطيها تماماً، أو لأن النور لم يكن بعد قد أشرق عليها فكان الجو غامضاً، أما كونها 'غير كاملة' فبسبب عدم قدرتها على النبات. على أي الأحوال إن كان الوحي قد أعلن أن الآب خلق السموات والأرض بكلمته (ع 1) فهنا يكشف عن دور الروح القدس الذي كان يرف على وجه المياه ليخلق من الأرض الخربة والخاوية عالماً صالحاً جميلاً. ولا يزال الروح القدس إلى يومنا هذا يحل على مياه المعمودية ليقدسها فيقيم من الإنسان الذي أفسدته الخطية وجعلت منه أرضاً خربة وخاوية؛ سموات جديدة وأرضاً جديدة ....(3) اليوم الأول :
أول عمل يقدمه الله هو انطلاق النور: 'وقال: ليكن نور، فكان نور، ورأى الله النور أنه حسن، وفصل الله بين النور والظلمة، ودعا الله النور نهاراً والظلمة دعاها ليلاً، وكان مساء وكان صباح يوماً واحداً' (ع 3 – 5). يلحظ في هذا النص: أولاً: إلى سنوات قليلة كان بعض العلماء يتعثرون في هذه العبارة قائلين كيف ينطلق النور في الحقبة الأولى قبل وجود الشمس؟ إذ كان الفكر السائد أن النور مصدره الشمس، لكن جاءت الأبحاث الحديثة تؤكد أن النور في مادته يسبق وجود الشمس، لهذا ظهر سمو الكتاب المقدس ووحيه الإلهي، إذ سجل لنا النور في الحقبة الأولى قبل خلق الشمس، الأمر الذي لم يكن يتوقعه أحد. لقد ظهر النور حينما كانت الشمس في حالتها السديمية الأولى، أي قبل تكوينها الكامل. ثانياً: من الجانب الرمزي هذا النور خاص بالمدينة السماوية المقدسة التي تضم الملائكة القديسين، وفيها ينعم المؤمنون بالأبدية، هذه التي قال عنها الرسول أنها أورشليم العليا، أمنا الأبدية في السموات (غل 4: 26)، والتي يكون لنا فيها نصيب، إذ قيل: 'جميعكم أبناء نور وأبناء نهار، لسنا من ليل ولا ظلمة' (1تس 5: 5) ثالثاً: فصل الله بين النور والظلمة لكي نقبل النور كأبناء للنور وأبناء للنهار ونرفض الظلمة فلا نسقط تحت ليل الجهالة المهلك. رابعاً: ليست 'الظلمة' مادة مخلوقة أوجدها الله، بل هي حرمان من النور فبظهور النور انفضحت الظلمة وعرفت. خامساً: 'ورأى الله ذلك النور أنه حسن' (ع 4، 12، 18، 21) ... [الله لا يحكم بأن الشيء حسن خلال افتتان العين به ولا لتذوق الفكر لجماله كما نفعل نحن وإنما يراه حسناً متى كان الشيء كامل، مناسباً لعمله، نافعاً حتى النهاية]. سادساً: يختم حديثه عن اليوم الأول أو الحقبة الأولى بقوله: 'وكان مساء وكان صباح يوماً واحداً'. بدأ بالمساء وختم بالصباح، وفي التقليد اليهودي يبدأ اليوم بالعشية ويليها النهار، فإن كان المساء يشير إلى الجسد القابل للموت، والصباح يشير إلى خدمة البر أو النور فإن المساء يسبق الصباح بمعنى أن يكون الجسد خادماً للبر، لا البر خادماً لشهوات الجسد.(4) اليوم الثاني .... الجلد :
(تك 1: 6 – 8) 'وقال الله ليكن جلد في وسط المياه ............' ربما يقصد بالجلد المنطقة التي فوق الأرض مباشرة التي تطير فيها الطيور وليس الفضاء حيث الكواكب ...ويمكننا أن ندرك طريقة تحقيق أمر الله إن علمنا أن الأرض كانت في غليان مستمر وبخار فكانت محاطة بغلاف كثيف. وفي الفترة ما بين الحقبة الأولى والحقبة الثانية أخذت درجة الحرارة تهبط، وبالتالي هدأ البخار وبدأ الجو يصير صحواً، أما تسمية الجلد 'سماء' فذلك من قبيل إطلاق هذه الكلمة على ما هو سام ومرتفع فوق الأرض. هذا الجلد يفصل ما بين المياه التي من فوق أي السحب، والمياه التي من أسفل أي البحار والمحيطات. +++(5) اليوم الثالث:
إنبات الأرض كتب موسى في سفر التكوين (1: 13): 'وقال الله لتجتمع المياه تحت السماء إلى واحد ولتظهر اليابسة، وكان كذلك ودعا الله اليابسة أرضاً ومجتمع المياه دعاه بحاراً، ورأى الله ذلك أنه حسن' كتب موسى بأن الله جمع المياه تحت السماء إلى مكان واحد، والمتأمل في خريطة العالم يلحظ فعلاً أن ذلك صحيح علمياً، إذ أن جميع المحيطات السبعة لها قاع واحد، إذ هي مشتركة مع بعضها في القاع. ولكن موسى كان حريصاً إذ ذكر البحار منفصلة، لأنه ذكرها بصيغة الجمع 'بحاراً'. وفي أيام موسى كان البحر الأحمر والبحر الأبيض وربما بعض أجزاء من المحيط الأطلنطي معروفين لدى البشر، وأن المحيطات السبعة المعروفة الآن لدينا لم تكتشف إلا بعد قرون طويلة حين بنى الإنسان المراكب الضخمة، فكيف عرف موسى أن البحار مع كونها منفصلة إلا أن قاعاً واحداً لها!(6) اليوم الرابع:
خلق الأنوار .. من أجل الإنسان خلق الله العوالم الشمسية في دقة نظامها الفائق، لا ليجعل منا رجال فلك وإنما لأجل خدمتنا وإعلان حبه لنا. إن كان الله قد خلق الشمس لتنير للإنسان له في النهار وتكون له عوناً في كل حياته، إنما يقدم لنا كلمته الحي شمس البر الذي يحول ظلمتنا إلى نهار لا ينقطع، واهباً إيانا حياة جديدة داخلية. يسطع بإشراقاته على الكنيسة فيجعل منها قمراً تضيء على العالم، ويعمل في كل عضو ليجعل منه نجماً له موضعه ليدور في الفلك الذي له ساكباً نوراً وبهاء على الأرض.(7) اليوم الخامس:
خلق الأسماك والطيور .. إذ تهيأت الأمور لخلق الأسماك قال: 'لتفض المياه ذات أنفس حية' (ع 20)، فكانت بداية الخلائق التي لها نفس حية في المياه، وكما أنجبت المياه كائنات حية طبيعياً بكلمة الله هكذا تلد المياه المقدسة الآن بكلمة الله كائنات حية حسب النعمة، إذ نعيش كالسمك متمثلين بالمسيح السمكة الحقيقية.(8) اليوم السادس:
الحيوانات والإنسان ... هيأ الله كل شيء لخلق الحيوان ثم خلق الإنسان، مقدماً لهم الأمور المنظورة وغير المنظورة، يرى القديس ثاوفيلس الأنطاكي أن الحيوانات المفترسة لم تحمل روح الشراسة إلا بعد سقوط الإنسان، مما قدمه الإنسان لنفسه من فساد خلال عصيانه انعكس على طبيعة الأرض لتخرج شوكاً وحسكاً وعلى الحيوانات ليحمل بعضها نوعاً من الشراسة، تزول لكثير من الأبرار ... أخيراً توج الله خليقته الأرضية بخلق الإنسان لا كخليقة وسط مخلوقات بلا حصر، وإنما على صورته ومثاله، وأقامه سيداً على الخليقة الأرضية ... ويلحظ في خلق الإنسان الآتي: أولاً: إن ما يشد أنظارنا في خلق الإنسان قوله: 'نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا' (ع 26)، مؤكداً: 'فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه' (ع 27)، الأمر الذي لم نسمع عنه قط في خليقة أخرى، إذ أوجد النفس تحمل صورة الثالوث القدوس، وتتسم بالتمثل بالله ... ثانياً: في خلق الإنسان وحده دون سائر الخليقة يقول الله: 'نعمل' بصيغة الجمع، إذ يلذ للثالوث القدوس أن يعمل معاً بسرور من أجل هذا الكائن المحبوب. ثالثاً: خلق الله الإنسان في النهاية حتى يتوجه كملك على الخليقة، وكما نقول في القداس الغريغوري أنه لم يجعلنا معوزين شيئاً من أعمال كرامته، خلق كل شيء من أجله وأعطاه سلطاناً، إذ قال: 'املأوا الأرض وأخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الأرض' (ع 28). لم يخلقه كائناً خانعاً في مذلة إنما أراده صاحب سلطان على نفسه كما على بقية الخليقة. رابعاً: جاء خلق الإنسان في اليوم السادس أو الحقبة السادسة حتى إذ تكمل خلقته لا يرى الله أن كل ما عمله حسن فقط بل 'حسن جداً' (ع 21)، فيستريح في اليوم السابع، أي يفرح ويسر بالإنسان موضع حبه. وكما خلق الإنسان في اليوم السادس، قدم السيد المسيح حياته فدية على الصليب ليعيد خليقته أو يجددها روحياً في اليوم السادس في وقت الساعة السادسة!! خامساً: في حديثه العام عن الخلق تحدث هنا عن خلقه الإنسان في عبارة مختصرة ودقيقة للغاية، إذ يقول: 'ذكراً وأنثى خلقهم' (ع 27)، مع أنه سيعود ويتحدث في شيء من التفصيل عن خلق آدم ثم حواء، لكنه من البداية أكد 'ذكراً وأنثى خلقهم' ليظهر أن لنا أباً واحداً وأماً واحدة، فترتبط البشرية كلها برباط دم واحد.. وليؤكد جانباً آخر هو تقديس لسر الزواج بين الرجل والمرأة بكونه سر الوحدة بينهما. 'فأكملت السموات والأرض وكل جندها ... وفرغ اللــه في اليوم السابع من عمله، فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل .... وبارك الله اليوم السابع وقدسه .. لأنه فيه استراح من جميع عمله الذي عمل الله خالقاً(1) تقديس اليوم السابع 'فأكملت السموات والأرض وكل جندها، وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل، فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل، وبارك الله في اليوم السابع وقدسه، لأنه فيه استراح من جميع عمله الذي عمله الله خالقاً' (تك 2:
1 – 3). ماذا يعني 'استراح في اليوم السابع'؟ بلا شك الراحة هنا لا تعني التوقف عن العمل، وإنما استراح براحة خليقته، وكما يقول القديس أغسطينوس: [راحة الله تعني راحة الذين يستريحون في الله]. راحته كأب سماوي أن يجد محبوبيه ينعمون بالراحة الداخلية الحقة، إننا نستريح عندما نصنع أعمالاً صالحة، كمثال لذلك كتب عن الله أنه 'استراح في اليوم السابع' وذلك عندما صنع كل أعماله وإذا بها حسنة جداً، إنه لم يتعب ولا احتاج إلى راحة، كما أنه لم يترك عمله حتى الآن، إذ يقول ربنا يسوع المسيح بصراحة: 'أبي يعمل حتى الآن' (يو 5: 17). ويبقى الله في راحته ما دام الإنسان أيضاً يستريح في حضن أبيه السماوي. لهذا رأى كثير من الآباء أن وصية 'حفظ السبت' والتي تعني في العبرية 'الراحة' إنما هي رمز للثبوت في السيد المسيح بكونه 'راحة الآب'، فيه يجد لذته من جهتنا، وكأن السيد المسيح هو: 'سبتنا الحقيقي'. هذا ويلحظ أن الكتاب المقدس لم يقل عن اليوم السابع: 'وكان مساء وكان صباح يوماً سابعاً'، وكما يقول القديس أغسطينوس: [لا نجد في السبت مساء، لأن راحتنا بلا نهاية، إذ يضع المساء نهاية].(2) آدم في الفردوس إن كان الله قد خلق للإنسان المسكونة كلها من أرض وجلد وفضاء وكواكب ... إنما ليلمس فيها أبوة الله ورعايته الفائقة، وقد كشف عن هذه الأبوة بالحديث بعد ذلك في شيء من التفصيل عن خلق الإنسان وإقامة جنة عدن شرقاً لأجله. يروي الجنة نهر قيل عنه:
'وكان نهر يخرج من عدن ليسقي الجنة، ومن هناك ينقسم فيصير أربعة رؤوس' (تك 2: 10). إن كانت شجرة الحياة تشير إلى السيد المسيح واهب الحياة، فإن النهر الذي يسقي الجنة هو الروح القدس الذي يفيض على أرضنا خلال مياه الروح القدس فيحول قفرنا إلى جنة تفرح قلب الله. تحدث السيد المسيح عن هذا النهر، قائلاً: 'من آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماء حي' (يو 7: 38).(3) وصية الله لآدم 'وأخذ الرب الإله آدم ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها' (تك 2:
15) قبل أن يقدم الله لآدم وصية الحب والطاعة، وضعه في جنة عدن ليعمل ويحفظ الجنة، قدس الله العمل فأقام أكمل خليقته الأرضية لكي يعمل، ووهبه الحكمة لكي يحفظ الجنة، وكأن الله أقام وكيلاً له على عمل يديه ليمارس العمل ببهجة قلب وبتعقل! إذ وهبه الله هذه العطية، عطية العمل في الجنة وحفظها، قدم له وصية: 'من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً، وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت' (تك 2: 16، 17). ربما يتساءل البعض: هل من حاجة لهذه الوصية؟ نجيب بأن الوصية تكرم من شأن الإنسان إذ تعلن حرية إرادته؛ فقد أراد الله أن يتعامل معه على مستوى فائق، ظن البعض أن الجزاء صعب للغاية ولا يتناسب مع الوصية بعد الأكل من ثمرة معينة، لكن يجيب الدارسون على ذلك بالآتي: أولاً: أن الجزاء ليس بسبب نوع الوصية إنما بسبب الفكر الداخلي الذي قابل محبة الله الفائقة ورعايته للإنسان بالجحود. ثانياً: بشاعة العقوبة تتناسب مع عطية الحرية الإنسانية وتقدير الله للإنسان. ثالثاً: بشاعة العقوبة تبرز قوة الخلاص الذي يقدمه الله للإنسان ببذل الابن الوحيد الجنس. رابعاً: العجيب أن العقوبة سقطت بثقلها على الأرض والحية، فلم يلعن الله آدم ولا حواء لكنه لعن الحية بسبب مخادعتها للإنسان، وللأرض بسبب الساكن فيها! الله في محبته أبرز مرارة الخطية، لكنه لم يلعن الإنسان.. أي حب أعظم من هذا؟! .(4) خلق حواء 'وقال الرب الإله:
ليس جيداً أن يكون آدم وحده، فأصنع له معيناً نظيره' (تك 2: 18) إن كان خلق العالم ككل قد احتاج إلى ملايين السنين، لكن الوحي سجله في إصحاح واحد باختصار شديد لكي يبقى الكتاب المقدس كله يعلن اهتمام الله بالإنسان على وجه الخصوص، مركز العالم في عيني الله. جاء تعبير 'معيناً نظيره' يكشف عن مفهوم الحياة الزوجية، علاقة آدم بحواء، أو الرجل بالمرأة، فالزوجة معينة لرجلها، كما أن الرجل معين لزوجته، وهي نظيره لا تتشامخ عليه ولا هي أقل منه! جاءت قصة خلق حواء تحمل رمزاً لخلق الكنيسة عروس المسيح، التي من أجلها أخلى العريس ذاته ليلتصق بها وينطلق بها إلى سمواته، وقد جاءت كتابات الكنيسة الأولى تحمل فيضاً من الحديث عن خلق حواء وعلاقتها بالكنيسة عروس المسيح؛ من كلمات القديس أغسطينوس في هذا الشأن: [متى خلقت حواء؟ عندما نام آدم! متى فاضت أسرار الكنيسة من جنب السيد المسيح؟ عندما نام على الصليب] أخيراً بعد أن تحدث عن خلق حواء والتصاقها بالحب مع آدم، قال: 'وكان كلاهما عريانين آدم وحواء وهما لا يخجلان' (تك 2: 25). كانا عريانين جسدياً، ومستورين روحياً لهذا لم يجدا ما يخجلهما، لأن ما يخجل الإنسان ليس جسده بل الفساد الذي دب فيه بسبب الخطية، لهذا يرى بعض الآباء في الدخول إلى جرن المعمودية عراة عودة إلى الفردوس حيث كان الإنسان في نقاوة قلبه عرياناً حسب الجسد ولا يخجل.(1) الحية الخادعة إذ قدم الله للإنسان كل شيء أقامه في الفردوس، ووهبه الوصية ليرد الحب بالطاعة ... ولعله كان في ذهن الله هبات أعظم يود أن يقدمها للإنسان كمكافأة له عن طاعته المستمرة للوصية، لكن عدو الخير حسد الإنسان فأراد أن يهبط به إلى الموت مستخدماً الحية ليدخل مع الإنسان في حوار مهلك. يقول الكتاب:
'وكانت الحية أحيل جميع حيوانات البرية التي عملها الله، فقالت للمرأة: أحقاً قال الله لا تأكلا من كل شجر الجنة؟!' فقالت المرأة للحية: 'من ثمر شجر الجنة نأكل، وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله لا تأكلا منه ولا تمساه لئلا تموتا' (تك 3: 3-1). لقد استخدم العدو الخليقة الصالحة التي من عمل الله كوسيلة لتحطيم الإنسان، فكان العيب لا في الوسيلة وإنما في الإنسان الذي قبل أن يدخل في حوار باطل مع الحية. في هذا الحوار الذي دار بين حواء والحية لم يقدم الشيطان للإنسان إلا وعوداً، قائلاً: 'لن تموتا، بل الله عالم أن يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالعارفين الخير والشر' (تك 3: 4، 5). مجرد وعد أنهما يكونان كالإله (كبرياء!) وينالان المعرفة، لكنه لم يقدم عملاً لصالحهما. ومع هذا نظرت حواء إلى الشيطان كموضع ثقة أكثر من الله، مع أن الله أظهر إرادته الحسنة بأعماله. جرب الشيطان الإنسان بثلاث أهواء هي [النهم: حين أخذ الفاكهة من الشجرة، وبالطمع: حين قال له: 'تنفتح أعينكما'، وبالكبرياء: حين قال له 'تكونا كالعارفين الخير والشر'] – وهي نفس الأهواء التي حاول أن يحارب بها 'آدم الثاني' .. 'السيد المسيح' [بالنهم حين قال له: 'قل أن تصير هذه الحجارة خبزاً'..، وبالكبرياء حين قال له: 'إن كنت ابن الله فاطرح نفسك إلى أسفل ......'، وبالطمع حين أراه جميع ممالك الأرض ومجدها، وقال له: 'أعطيك هذه جميعها إن خررت وسجدت لي'] (مت 4). .... لقد أعطانا الرب نفسه مثال كيف يمكننا أن ننتصر كما انتصر هو حين جُرب.(2) انفتاح أعينهما 'فانفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان، فخاطا أوراق تين وصنعا لأنفسهما مآزر' (تك 3:
7). ماذا يعني انفتاح العينين لتريا أن الجسد عريان، إلا أن الإنسان بالخطية يدرك أنه دخل إلى حالة من الفساد تظهر خلال أحاسيس الجسد وشهواته التي لا تُضبط؟ ! بهذا يدخل الإنسان في معرفة جديدة، هي خبرة الشر الذي امتزج بحياته وأفسد جسده تماماً، إنه يتعرف على جسده الذي صار عنيفاً في الشر بلا ضابط.(3) اهتمام الله بالإنسان إن كان الإنسان قد قابل حب الله بالعصيان، فالله يقابل حتى هذا العصيان بالحب لكي يسحب قلبه من مرضه الذي أصابه، ويقيمه من الموت الذي ملك عليه (رو 5:
14). لقد جاء صوت الله ماشياً في الجنة ليلتقي مع الإنسان الساقط. يقول الكتاب: 'وسمعا صوت الرب الإله ماشياً في الجنة عند هبوب ريح النهار' (ع 8) إنه صوت الرب أي 'كلمته'، الابن الإلهي الوحيد الجنس الذي جاء مبادراً بالحب ليقتنص الإنسان الساقط ويقيمه. جاء عند هبوب ريح النهار، إذ نلتقي به بالروح القدس، لأن كلمة 'روح' و 'ريح' في العبرية هي واحدة. جاء في وسط النهار لنتعرف عليه خلال نوره، وكما يقول المرتل: 'بنورك يارب نعاين النور'. بادر 'كلمة الله' بالحب، فنادى آدم وقال له: 'أين أنت؟' (ع 9). لم يكن يجهل موضعه لكنه أراد الدخول معه في حوار، ليس كحوار الحية مع حواء الذي أدى إلى السقوط، ولكنه حوار الحب الحقيقي لانتشال آدم وحواء من سقطتهما! الآن ما هو موقف الإنسان تجاه هذه المبادرة الإلهية؟ أولاً: 'اختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة' (ع 8) – هذا الهروب هو ثمر طبيعي للعصيان والانفصال عن دائرة الرب، كما يقول آدم: 'سمعت صوتك في الجنة فخشيت، لأني عريان فاختبأت' (ع 10). لم يقدر أن يعاين الرب لا لأن الرب مرعب ومخيف وإنما لأن الإنسان في شره فقد صورة الله الداخلية التي تجتذبه بالحب نحو خالقه محب البشر، فصار الله بالنسبة له مرعباً ودياناً لخطاياه. ثانياً: برر آدم خطأه بإلقاء اللوم على الغير، فقال آدم: 'المرأة التي جعلتها معي هي التي أعطتني من الشجرة فأكلت' (ع 12)، وقالت المرأة: 'الحية غرتني فأكلت' (ع 13). وكأن آدم ألقى باللوم على الله الذي أعطاه حواء! ولم يقدم أي منهما اعتذاراً عن خطأه!(4) لعنة الحية 'فقال الرب الإله للحية:
لأنك فعلت هذا ملعونة أنت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية، على بطنك تسعين وتراباً تأكلين كل أيام حياتك' (ع 14). كل إنسان يقبل أن يكون أداة للعدو الشرير يصير كالحية، يسعى على بطنه محباً للأرضيات، ليس له أقدام ترفعه عن التراب، ولا أجنحة تنطلق به فوق الزمنيات، يصير محباً أن يملأ بطنه بالتراب.(5) الوعد بالخلاص إذ لعن الحية التي أغوت الإنسان حتى نرفضها ونرفض سماتها فينا، قدم لنا أول وعد بالخلاص، قائلاً للحية:
'وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها، وهو يسحق رأسك وأنت تسحقين عقبه' (ع 15) وقد وضع الله عداوة بين إبليس والمرأة حتى يأتي السيد المسيح من نسل المرأة – دون زرع بشر – يسحق رأس الحية التي سحقت عقب البشرية ...(6) تأديب الإنسان إذ قدم الوعد بالخلاص أعلن تأديبه للإنسان؛ ففتح باب الرجاء بإعلان الخلاص قبلما يقدم التأديب المر حتى لا يسقط الإنسان تحت ثقل اليأس، وقد أعلن تأديبه للمرأة أولاً ثم للرجل. أولاً:
تأديب المرأة: 'تكثيراً أكثر أتعاب حبلك، بالوجع تلدين أولاداً، وإلى رجلك يكون اشتياقك، وهو يسود عليك' (ع 16) هذا التأديب الذي سقطت تحته حواء بسبب الخطية، تحول بمراحم الله إلى بركات حينما قبلت الكنيسة – حواء الجديدة – أن تلد أولاداً روحيين لا خلال آلامها. ثانياً: تأديب الرجل: 'ملعونة الأرض بسببك، بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك، وشوكاً وحسكاً تنبت لك وتأكل عشب الحقل. بعرق وجهك تأكل خبزاً حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها، لأنك تراب وإلى التراب تعود' (ع 17 – 19). خلق الله الأرض من أجل الإنسان، وبسببه باركها لتثمر له بركات، فإذا عصى الرب سقطت تحت اللعنة لتثمر له شوكاً وحسكاً يتناسب مع عصيانه أو فكره الداخلي. (7) القميص الجلدي 'ودعا آدم امرأته حواء، لأنها أم كل حي' (ع 20) إن كان آدم وحواء قد سقطا تحت التأديب، فإنهما أبوانا الأولان، نجد في آدم أباً لكل البشرية، وفي حواء أماً للجميع ... لكن خلال هذه الوالدية تسربت إلينا الخطية وسقطنا معهما تحت ذات التأديب حتى جاء آدم الثاني يهب الحياة الحقة للمؤمنين وصارت امرأته – حواء الجديدة – الأم الصادقة لكل حي، إنها الكنيسة أم المؤمنين. أعلن الله محبته للإنسان قبل طردهما من الجنة بأن صنع لهما أقمصة من جلد وألبسهما (ع 21) عوض أوراق التين. هذه القمصة ربما تعلن عن كشف الله للإنسان الأول عن أهمية الذبيحة كرمز لذبيحة الخلاص .... وكأن الله سلم آدم وحواء طقس الذبيحة الدموية. (8) طرد الإنسان إذ كان الله قد طردنا من الفردوس، ففي حقيقة الأمر نحن طردنا أنفسنا بأنفسنا، إذ خلال العصيان صارت طبيعتنا الفاسدة لا تليق بالحياة الفردوسية المقدسة بل تناسب الأرض التي تخرج الشوك والحسك.هابيل وقايين إن كانت الخطية قد انطلقت من حواء إلى آدم خلال غواية الحية فقد جاء النسل كله يحمل ميكروبها في طبيعتهم، وكما يقول الرسول: 'من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع' (رو 5: 12). وقد ظهر ذلك بقوة في قايين الذي لم يحتمل قبول الله ذبيحة أخيه فارتكب أول حالة قتل في تاريخ البشرية، وقد اهتم كثير من الآباء بقصة هابيل وقايين بكونها قصة البشرية الساقطة التي حملت البغضة لبعضها البعض.
(1) قبول تقدمة هابيل 'وعرف آدم حواء امرأته فحبلت وولدت قايين، وقالت:
اقتنيت رجلاً من عند الرب' (ع 1). أكد آباء الكنيسة أن الله هو مؤسس الحياة الزوجية في صورتها الكاملة، وأنه بالسقوط أو بدونه كانت تتم العلاقة الجسدية بين أبوينا ويتحقق إنجاب الأطفال، لكن لا يتم ذلك خلال شهوة شريرة بل كثمرة حب زوجي طاهر، على أي الأحوال أدركت حواء أن طفلها هو عطية إلهية لذا دعته 'قايين'، ولعل سر فرحها به أنها ظنت مجيء المخلص الموعود به من نسلها قد اقترب جداً، وربما انتظرت أن يتحقق ذلك في أيامها. 'ثم عادت فولدت هابيل' (ع 2)، يرى القديس أمبروسيوس أن قايين يمثل الفكر العقلاني البحت أو المدرسة العقلية، الذي يعتمد على المعرفة العقلية فقط كطريق للخلاص عوض الإيمان، أما هابيل فيرمز إلى المدرسة الإيمانية التي تستند على نعمة الله لكي تتمتع بأسرار الله خلال الإيمان المعطى للإنسان دون تجاهل لعقله. هذا وتقدم لنا قصة هابيل وقايين صورة حية لقصة بكورية الروح وبكورية الجسد، فإذ كان قايين بكراً لآدم وحواء حسب الجسد لكنه فقد بكوريته خلال شره وظهرت بكورية هابيل الروحية بقبول ذبيحته بل وحياته كلها موضع سرور الله دون أخيه. قايين رمز لآدم الأول 'آدم' وقد فقد بكوريته ليظهر هابيل الحقيقي؛ آدم الثاني 'السيد المسيح' بكراً حقاً لكل البشرية. 'وكان هابيل راعياً للغنم، وكان قايين عاملاً في الأرض' (ع 2)، إن الكتاب المقدس لم يذكر هابيل أولاً بل هدف بالرغم من مولده بعد قايين .... لعل العمل في الأرض يشير إلى الإنسان الجسداني الذي يركز عينيه وكل طاقاته نحو الأرض والزمنيات، أما رعي الغنم فيشير إلى الإنسان المهتم بالرعاية والتدبير وقيادة الجسد بكافة طاقاته (الغنم)، ... 'وحدث بعد أيام أن قايين قدم من أثمار الأرض قرباناً للرب، وقدم هابيل أيضاً من أبكار غنمه ومن سمانها، فنظر الرب إلى هابيل وقربانه، ولكن إلى قايين وقربانه لم ينظر، فاغتاظ قايين جداً وسقط على وجهه' (ع 3 – 5). لماذا لم ينظر الله إلى قايين وقربانه؟ أولاً: ربما لأن تقدمة قايين كانت بإهمال [بعد أيام] .. أما تقدمة هابيل فكانت بحب وإخلاص واشتياق! .. ثانياً: لعل تقدمة قايين كانت من ثمار الأرض، ولم يقل من 'بكور الثمار' أما هابيل فقد: 'من أبكار غنمه ومن سمانها' ... أعطى لله الأولوية! ثالثاً: كانت تقدمة قايين من ثمار الأرض غير القادرة على المصالحة بين الله والإنسان، أما تقدمة هابيل فكانت ذبيحة دموية تحمل رمزاً لذبيحة السيد المسيح القادر وحده على مصالحتنا مع الآب خلال بذل دمه عنا. والآن إذ سقط وجه قايين لم يتركه الله هكذا منهاراً بل تقدم إليه يسأله: 'لماذا اغتظت؟ ولماذا سقط وجهك؟ إن أحسنت أفلا رفع؟ وإن لم تحسن فعند الباب خطية رابضة وإليك اشتياقها وأنت تسود عليها' (ع 7). حقاً لم يقبل تقدمته لأنها من قلب غير نقي، ولكنه لا يتركه في سقوطه بل يتقدم إليه بالحب ويعاتبه!(2) قتل هابيل 'وكلم قايين هابيل أخاه، وحدث إذ كان في الحقل أن قايين قام على هابيل أخيه وقتله، فقال الرب لقايين:
أين هابيل أخيك؟ فقال: لا أعلم، أحارس أنا لأخي؟! فقال: ماذا فعلت؟ صوت دم أخيك صارخ إليّ من الأرض' (ع 8 – 10). ظن قايين أنه قتل واستراح، ولكن الله جاء ليسأله كي يثير فيه التوبة، فهو لا يريد أن يستر على خطايانا بغلاف خارجي بينما يبقى الفساد يدب في الأعماق، إنما كطبيب روحي يريد أن يكشف الجراحات ويفضحها لأجل العلاج. أخفى قايين جسد أخيه، لكنه لم يقدر أن يكتم صوت النفس الصارخة إلى الله، والتي عبر عنها الرب بقوله: 'صوت دم أخيك صارخ إليّ من الأرض'، إذ يشير الدم إلى النفس بكونه علامة الحياة. دم هابيل كان رمزاً لدم المسيح الذي لا يتوقف صوته الكفاري وعمله!؛ ما يشفع به الدم القديم إنما يتحقق خلال مركز الدم الجديد. الدم الذي هو الكلمة يصرخ إلى الله معلناً أن الكلمة يتألم! إن جريمة القتل الأولى قدمت لقايين تأديباً مادياً ملموساً يكشف له عما حل به في أعماقه، إذ قيل له: 'متى عملت الأرض لا تعطيك قوتها' (ع 12). إن كانت الأرض تشير إلى الجسد الذي يفقد عمله الأصيل فيصير بلا ثمر روحي، فإن النفس أيضاً تفقد سلامها الداخلي، إذ قيل له: 'تائهاً وهارباً تكون في الأرض' (ع 12). وكأن النفس التي خضعت للجسد الترابي الأرضي تجده قفراً، فتعيش فيه بلا راحة ولا سلم، إنما في حالة تيه وفزع. هذا ما أكده الكتاب المقدس بقوله: 'خرج قايين من لدن الرب، وسكن في أرض نود شرقي عدن' (ع 16). أدرك قايين خطورة ما بلغ إليه حاله، فاعترف للرب: 'ذنبي أعظم من أن يحتمل، إنك قد طردتني اليوم من وجه الأرض من وجهك اختفي وأكون تائهاً وهارباً في الأرض، فيكون كل من وجدني يقتلني، فقال له الرب: لذلك كل من قتل قايين فسبعة أضعاف ينتقم منه، وجعل الرب لقايين علامة لكي لا يقتله كل من وجده' (ع 13 – 15). شعر قايين بالندم ليس كراهية في الخطية، وإنما خوفاً من العقاب الأرضي! ومع هذا فقد فتح له الرب باب الرجاء إذ لم يعده بألا يُقتل وإنما من يقتله يعاقب بمرارة شديدة كمن ينتقم منه سبعة أضعاف. 'أغنية السيف للمك' : سجل الكتاب المقدس سلسلة مواليد قايين حتى وصل إلى 'لامك' الذي تزوج امرأتين، قدم لامك لامرأتيه أول قطعة شعرية في الأدب العبري، تسمى 'أغنية السيف للامك'، جاء فيها: 'اسمعا لقولي يا امرأتي لامك، واصغيا لكلامي، فإني قتلت رجلاً لجرحي وفتى لشدخي. إنه ينتقم لقايين سبعة أضعاف وأما للامك فسبعة وسبعين' (ع 23، 24). توجد تفاسير كثيرة لهذه الأغنية فالبعض يرى أن لامك شاخ جداً وصار ضعيف البصر وإذ كان حفيده يقوده وكان محباً للصيد أشار له حفيده عن صيد فضرب بالسهم فإذا به يقتل جده قايين عن غير قصد، وإذ صرخ الحفيد معلناً قتل قايين ضرب لامك الفتى فقتله، لذلك قال: 'قتلت رجلاً (قايين) لجرحي، وفتى لشدخي' وأدرك أنه كقاتل لا بد أن يُقتل، لكنه إذ قتل بغير عمد ينتقم له الرب سبعة وسبعين. (3) ميلاد شيث عندما اقتنت حواء 'قايين' ظنت فيه بركة للأجيال كلها، لكن سرعان ما فسدت حياته وقتل أخاه البار... فلم يترك الله حواء منكسرة الخاطر، بل وهبها بداية جديدة بإنجاب 'شيث' عوض 'هابيل'. معنى 'شيث' في العبرية (عوض) أو معين، وكأن الله جبله عوض هابيل وعينه رأساً لجيل مقدس، وبالفعل أنجب شيث 'أنوش' الذي يعني (إنساناً)، 'وحينئذ ابتدئ أن يدعى باسم الرب' (ع 26).الخطية دخل الموت الروحي كما الجسدي إلى حياة الإنسان، فمهما طال عمر الإنسان على الأرض لا يستطيع الهروب من الموت ... لأنه 'بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع' (رو 5: 12). لكن وسط هذه الصورة القاتمة وجد أخنوخ الذي انتقل إلى الله بكونه باراً. قدم لنا الوحي الإلهي سلسلة مواليد آدم، مبتدئاً بآدم لينتهي بنوح حيث يبدأ العالم من جديد خلال معمودية الطوفان. - لم يذكر هابيل الذي استشهد قبل أن يكون له نسل، لكن صوته لم يتوقف بعد كقول الرسول: 'وإن مات يتكلم بعد' (عب 11: 4). كما تجاهل ذكر قايين وذريته الذي حكم على نفسه بنفسه بالموت وهو حي. - مع أن الإنسان شرير؛ مع ذلك فقد شبهه الله، ففي بداية سلسلة الآباء يقول: 'يوم خلق الله الإنسان على شبه الله عمله' (ع 1). - يلحظ أيضاً في سلسلة الآباء جاء أخنوخ من نسل شيث الذي: 'سار مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه' (ع 24). ولعله يقابل 'حنوك (أخنوخ)' الذي من نسل قايين، على اسمه بنيت أول مدينة على الأرض.. وكأن الله أقام نسلاً يحمل السمة السماوية عوض النسل المرتبط بالأرضيات. - من جهة أعمار هؤلاء الآباء: حاول كثير من الدارسين تقديم تفاسير مختلفة فمنهم من قال أن الأرقام في العبرية قديماً كانت غامضة ويصعب ترجمتها، وآخرون قالوا بأن الأعمار المذكورة لا يقصد بها الآباء وإنما تعني عمر عشائرهم ...
(2) أخنوخ البار :
بين هذه السلسة من الأنساب وجد إنسان واحد لم تختم حياته بعبارة 'ومات'، إنما قيل عنه: 'ولم يوجد لأن الله أخذه' (ع 24)، هذا الذي 'قبل نقله شهد له بأنه قد أرضى الله' (عب 11: 5). انتقال أخنوخ إلى الله هي شهادة عن الحياة الأبدية وشهادة ضد الأشرار ودينونتهم العتيدة، بجانب نبوته النطقية التي تسلمتها الكنيسة اليهودية خلال التقليد الشفوي وسجلها الرسول يهوذا: 'وتنبأ عن هؤلاء أيضاً أخنوخ السابع من آدم قائلاً: هوذا قد جاء الرب في ربوات قديسيه، ليضع دينونة على الجميع ويعاقب...الفساد والطوفان
(1) بنو الله وبنات الناس 'وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض وولد لهم بنات، أن أبناء الله رأوا بنات الناس أنهن حسنات. فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا' (ع 1، 2). يرى كثير من آباء الكنيسة أن 'بني الله' هم نسل شيث الذي كان يطلب اسم الرب (تك 4:
26) فجعل الله اسمه عليهم، و'بنات الناس' هن نسل قايين الذي سلك في شر الأرضيات. هذا ويري البعض الآخر أن 'بني الله' هم الملائكة الذين نزلوا إلى الأرض في صورة إنسان وتزوجوا ببنات الناس، لكن هذا الرأي الأخير لا يستقيم مع قول السيد المسيح: 'لأنهم متى قاموا من الأموات لا يزوجون ولا يتزوجون بل يكونون كملائكة في السموات' (مر 12: 25). إن كانت الخطية قد بدأت بإغراء الحية لحواء، فإنها تفشت في الجيل الأول باتصال أبناء الله ببنات الناس، أو باتصال النفس بالجسد في شهواته.(2) لله حزين إذ كثرت الخطية جداً على الأرض حزن الله، إذ قيل:
'فقال الرب: لا يدين روحي في الإنسان إلى الأبد لزيغانه، هو جسد، وتكون أيامه مئة وعشرين سنة' (ع 3). أعلن الله أن أيامه مئة وعشرون سنة، أي أنه أعطاهم مهلة مئة وعشرين عاماً قبل مجيء الطوفان. لقد أراد الله أن يبقي روحه القدوس عاملاً في الإنسان، فماذا فعل الإنسان؟ لقد صار 'جسداً'، أي أسلم نفسه للحياة الجسدانية الشهوانية، فجعل جسده سيداً عليه. لقد أسلم الإنسان جسده لسلطان الخطية، لهذا أعطاه الله فرصة مئة وعشرين عاماً للتوبة، فإن لم يتب يدين روحه القدوس هذا الجسد.(3) نوح يجد نعمة إذ رأى الله أن 'شر الإنسان قد كثر في الأرض وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم، فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه، فقال الرب:
أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته، الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء، لأني حزنت أني عملتهم' (ع 5 – 7). لم يكن ممكناً لله القدوس أن يطيق الشر الذي كثر على الأرض، ولا يتحمل الالتقاء مع النفس التي خلقها كمسكن له أن يرى تصورها شريراً كل يوم، لهذا حزن أنه صنع الإنسان في الأرض. وحينما يقول الكتاب: 'حزن' أو 'تأسف قلبه' أو 'ندم'، لا نفهم هذه التعبيرات كإنفعالات غضب، إنما هي لغة الكتاب الموجهة لنا نحن البشر لكي نفهم وندرك مرارة الخطية في ذاتها وعدم إمكانية الشركة بين القداسة الإلهية والفساد الإنساني. العجيب أنه وسط هذه الصورة المؤلمة التي أعلنها الله من جهة البشر، لا يتجاهل إنساناً واحداً يسلك بالبر وسط جيل شرير، إذ يقول الكتاب: 'وأما نوح فوجد نعمة في عيني الله' (ع 8). لقد وجد نوح نعمة في عيني الرب الذي شهد له: 'كان نوح رجلاً باراً كاملاً في أجياله' (ع 9). أما قوله: 'في أجياله' فتكشف أن بره وكماله ليسا مطلقين، إنما لو قورنا بما يقدمه أجياله من فساد، فالإنسان بره نسبي.(4) فساد الأرض :
'وفسدت الأرض أمام الله وامتلات الأرض ظلماً .... إذ كان كل بشر قد أفسد طريقه على الأرض' [ع 11، 12]. نلحظ تكرار كلمة 'الأرض' في هذا الإصحاح وهذا يكشف عن اشتياق الله أن يرى في الحياة البشرية سمة سماوية.(5) فلك نوح :
كشف الله لعبده البار نوح ما كان مزمعاً أن يفعله، إذ قال له: 'نهاية كل بشر قد أتت أمامي، لأن الأرض امتلأت ظلماً منهم، فها أنا مهلكهم مع الأرض'. الله هو الصديق المحب الذي يحاور الإنسان ويكشف له حكمته وأسراره، لقد كشف لنوح البار أن الهلاك هو ثمرة طبيعية لفساد هم اختاروه. أهمية الفلك : نرى في كتابات الآباء وأقوالهم أهمية الفلك بكون أن الطوفان رمز لعمل التجديد للطبيعة البشرية، والفلك رمز للصليب الذي حمل السيد المسيح معلقاً لأجلنا، فحمل فيه الكنيسة التي هي جسده المقدس، كان لا بد من هلاك العالم القديم [الإنسان القديم] في مياه المعمودية ليقوم العالم الجديد أو الإنسان الجديد الذي على صورة خالقه يحمل جدة الحياة أو الحياة المقامة في المسيح يسوع [رو 6: 3، 4]. نوح وعائلته داخل الفلك : يقول العلامة أوريجانوس: [بصعودنا خلال أدوار الفلك المختلفة نصل إلى نوح نفسه الذي يعني (نياح) أو (بر)، فنوح هو يسوع المسيح، إذ لا ينطبق على نوح القديم قول لامك أبيه: 'هذا يعزينا عن عملنا وتعب أيدينا من قبل الأرض التي لعنها الرب'] (تك 5: 29) ... أنظروا إلى ربنا يسوع المسيح الذي قيل عنه: 'هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم'] (يو 1: 29) ..... ها أنتم ترونه بالحقيقة يهب راحة للبشرية، ويخلص الأرض من اللعنة.الطوفان وسط فساد الأرض أعلن الرب خلاصه للبشرية خلال أحداث الطوفان وتجديد الأرض، الأمر الذي حمل رمزاً لعمل السيد المسيح الخلاصي.
(1) اهتمام الله بنوح الله في رعايته الفائقة لولده يقول:
'ادخل أنت وجميع بيتك إلى الفلك، لأني إياك رأيت باراً لديّ في هذا الجيل' (ع 1) ... ما أجمل أن يشهد الله لولده، فإنها بحق شهادة صادقة! إن كانت البشرية – في ذلك الحين – قد جلبت لنفسها وللعالم الدمار، لكن يبقى الله شاهداً لنوح ببره ومن أجله يهتم به وببيته فيدبر له الخلاص خلال الفلك بدقة فائقة. + يرى البعض أن نوحاً بقي مئة وعشرين عاماً في إنذار الأشرار، وهو يبني الفلك أمام أعينهم ليؤكد لهم صدق إنذارات الله، كان نوح وهو في سن الستمائة موضع سخرية الناس، إذ يصنع فلكاً بهذا الحجم في شيخوخته ليهرب من طوفان في رأيهم من وحي خياله وللأسف اشترك كثيرون في صنعه لحساب هذا الشيخ البار لكنهم في غباوة طلبوا الأجرة عن تعب أيديهم ولم يفكروا في الدخول لخلاص أنفسهم. + حدد الله لنوح أن يدخل من الحيوانات الطاهرة سبعة سبعة ذكراً وأنثى ومن غير الطاهرة اثنين ذكراً وأنثى، ومن طيور السماء سبعة سبعة ذكراً وأنثى (ع 3). + يرى البعض أنه بهذا يكون العدد كبيراً جداً لا يسعه الفلك، لهذا قال بعض الدارسين أن الطوفان كان محلياً وليس شاملاً لكل الأرض في العالم، لهذا التزم نوح بالحيوانات والطيور التي في منطقته وحدها، أما القارات الشاسعة والبعيدة والتي لم يكن يسكنها إنسان بعد فقد ضمت حيوانات وطيور بقيت إلى ما بعد الطوفان. + لم يحدد الله لنوح ما هي الحيوانات الطاهرة والحيوانات غير الطاهرة، ولم تكن الشريعة الموسوية بعد قد أعلنت، لهذا يرى البعض أن شريعة...نوح بعد الطوفان انتهى الطوفان بانتهاء الدينونة وحل النياح والسلام، وإذ جفّت الأرض خرج نوح مع عائلته والحيوانات، فقدموا لله ذبيحة محرقة علامة شكر وعبادة.
(1) الخروج من الفلك بعد مئة وخمسين يوماً من بداية الطوفان تناقصت المياه، وعاد الفلك ليستقر على جبال أراراط في اليوم السابع عشر من الشهر السابع (ع 4)، وبعد أربعين يوماً من ظهور رؤوس الجبال، أطلق نوح الغراب، الذي 'خرج يتردد حتى نشفت المياه عن الأرض' (ع 7). لقد أطلق نوح الغراب ثم الحمامة ثم الحمامة ثانية وثالثة، ولهذا مغزى روحي هام:
الغراب : يشير إلى الناموس الذي لم يقدم لنا السلام، إنما يترك الإنسان في حالة تردد لا تنتهي. الحمامة الأولى : أطلقها نوح بعد سبعة أيام من إرسال الغراب، فعادت إليه تحمل 'ورقة زيتون خضراء' (ع 11)، هذا يشير إلى الروح القدس (الحمامة) الذي يقدم لنا السلام الحقيقي (ورقة الزيتون). الحمامة الثانية : لم ترجع إليه الحمامة ثانية (ع 12)، إذ استقرت على الأرض كعلامة لانتهاء غضب الله واستقرار السلام، والروح القدس لن يعود إلينا بل يبقينا في سلام دائم. وأخيراً بعد حوالي سنة من بدء الطوفان، في اليوم السابع والعشرين من الشهر الثاني، جفّت الأرض تماماً وخرج نوح من الفلك (ع 13 – 19).(2) عبادة نوح 'وبنى نوح مذبحاً للرب. وأخذ من كل البهائم الطاهرة ومن كل الطيور الطاهرة وأصعد محرقات على المذبح' (ع 20). هكذا يليق بالإنسان بعد كل ضيق أن يقدم عبادته وطاعته لله بقلب شاكر. لقد قبل الله ذبيحة نوح قائلاً:
'لا أعود ألعن الأرض أيضاً من أجل الإنسان' (ع 21). فبدم الذبيحة قدم الله وعداً بعدم لعنة الأرض بسبب الإنسان، وهكذا نرى أن ذبيحة المسيح تحمل مصالحة أبدية بين الله والإنسان.(3) وصايا الله لنوح قدم الله نوحاً في مكان آدم الأول، فكما بارك آدم الأول ليبارك نوحاً وعائلته، قائلاً:
'اثمروا واكثروا واملأوا الأرض' (ع 1، 7). وأعلن عهد السلام، قائلاً: 'لا يعود كل ذي جسد ينقطع بمياه الطوفان ولا يكون أيضاً طوفان ليخرب الأرض' (ع 11). علامة هذا العهد هي قوس قزح الذي يمثل قوس قوة الله قد وجهه الله نحو السماء لا نحو الأرض، أي أن الله أزاح العقاب عن الإنسان.(4) شريعة نوح أكد الله لنوح:
'أطلب أنا دمكم لأنفسكم' (ع 5)، أي إن كان الله قد سمح بالقتل لردع الشر، لكنه أكد أنه سيدين القاتل، الأمر الذي لم يكن في وصية آدم الأول. ووصى الله بعدم أكل الدم (ع 4).(5) نوح يلعن كنعان بعد هذه العهود والبركات سقط نوح في شرب الخمر حتى سكر، وهنا تدخلت أفعال أولاده:
سام ويافث : استترا عري أبيهما، حام : سخر بأبيه، ولعله رأى أباه عارياً فمضى وأخبر أخويه (ع 22). المقصود بابنه الصغير هنا حفيده كنعان بن حام، لكن الأرجح أنه حام. ولكن على أي الأحوال يبدو أن حاماً وابنه كنعان اشتركا في السخرية بنوح، فكانا يمثلان الذين يصلبون السيد المسيح المصلوب لأنفسهم مرة ثانية، ويشهرونه بسبب أعمالهم الشريرة (عب 6: 6). وقد لعن نوح حفيده كنعان، مباركاً إله سام وطالباً الخيرات ليافث.... وقد جاءت كلماته تحمل نبوة عن الأجيال المقبلة، ويلحظ فيها الآتي: (1) لم يلعن نوح ابنه حاماً بل حفيده كنعان، ولعل حفيده كان أكثر سخرية به من ابنه؛ هذا ويرى الشهيد يوستين أن الابن الذي باركه الله بفمه من قبل مع إخوته لا يمكن أن يلعن، وقد حلت اللعنة بالابن الذي مارس خطية أبيه وربما بصورة أبشع. هذا ومن ناحية أخرى فإن دعوة كنعان بعبد العبيد أ...بركة نوح لنسله (راجع الجزء السابق لنهاية الإصحاح)
أنساب نوح وأولاده يُقدم لنا هذا الإصحاح أنساب نوح الثلاثة (سام وحام ويافث)، وهي تمثل ثلاث مجموعات بشرية بعد الطوفان، وهذا يُعرف بـ 'جدول الأمم' الذي يضم سبعين جنيساً، وهذا العدد يحمل كمالاً عالمياً.
(1) أولاد يافث :
وهم شعوب الشمال، أي أوروبا وآسيا الصغرى (تركيا)، وأطلق عليهم 'جزائر الأمم' (ع 5). ويُفهم من أنساب يافث أن الله أراد أن يتسع نسل يافث ليسكن مع سام في خيامهم (تك 9: 27)، وهذا يرمز لـ كنيسة الأمم التي انضمت إلى الكنيسة من اليهود.(2) أولاد حام :
وهم شعوب الجنوب (إفريقيا)، ويشملون: كوش : ويُقصد بهم الحبشة والسودان. مصرايم : ويُقصد بهم مصر. فوط : شعوب ليبيا وشمال إفريقيا. كنعان : سكان أرض كنعان قبل أن يدخلها إسرائيل. نمرود : كان جبار صيد، وهو رمز لآدم القديم، إذ صار مقاوماً لله بكونه صياداً، ومن سلالته نشأت مدن عديدة بابل وأكاد.(3) أولاد سام :
وهم شعوب الشرق الأوسط، أي الآسيويين واليهود (من عابر)، ومن هذا النسل جاء إبراهيم. نلاحظ أن هذا الجدول هو أساس تاريخي وجغرافي هام لربط أصول الشعوب ببعضها. إنه يؤكد وحدة الجنس البشري، وأن الكل ينحدرون من أب واحد (نوح) بعد الطوفان، وهو أب لكل المسكونة.(1) برج بابل إذ كثر نسل نوح في الأرض، أرادوا أن يمنعوا انتشارهم على وجه الأرض ببناء 'برج بابل' [اسم باب ل يعني 'باب الله'، لكنهم جعلوه 'ارتباك'] (ع 4). لقد أرادوا التجمع في منطقة 'شَنعَار' (جنوب بلاد ما بين النهرين). لقد أرادوا ببرجهم 'الوصول إلى السماء' (ع 4)، ليتحرروا من سلطان الله وتدبيره، وكأنهم يرمزون لبرج الكبرياء البشري. عاقبهم الله لا بالهلاك، بل بـ بلبلة ألسنتهم (ع 7)، لكي يتفرقوا على وجه الأرض بغير إرادتهم، وبهذا حقق الله إرادته بتعمير الأرض، وبلبلة الألسن تشير إلى الانفصال والانقسام البشري الذي جاء الروح القدس في يوم الخمسين ليوحده بلسان الحب. (2) أنساب سام يقدم لنا الكتاب المقدس سلسلة أنساب سام حتى إبراهيم (ع 10- 26)، وهذا يرمز لاهتمام الله بشعبه الذي يحمل اسم الله، فبينما يعتني ببرج بابل كنبوة عن فشل الإنسان في محاولاته للاتحاد القائم على الكبرياء، يقدم لنا سلسلته التي تحقق خطته الإلهية. (3) إبراهيم انتهت السلسلة بـ 'تارح' أبي إبراهيم وناحور وهاران، وقد أنجب هاران 'لوط' و'ملكة' (ع 29) التي تزوجها ناحور، و'يسكة' التي يرى البعض أنها 'ساراي' زوجة إبراهيم (ع 29)، ولقد 'مات هاران قبل تارح أبيه في أرض ميلاده في أور الكلدانيين' (ع 28). ثم ارتحل تارح مع إبراهيم ولوط وساراي من 'أور الكلدانيين' لكي يذهبوا إلى 'أرض كنعان'، لكنهم استقروا في 'حاران' ومات هناك تارح (ع 31، 32). هذا الارتحال من أور إلى كنعان كان بمسيرة إبراهيم وطاعة لأمر الله له (تك 12:
1)، وإن كان تارح قد بدأ المسيرة إلا أنه لم يكملها. لقد كان إبراهيم رجلاً مؤمناً، ترك أرض آبائه وعشيرته لكي ينطلق إلى أرض الموعد كأمر الرب، إشارة إلى جهاد المؤمن الذي يترك ماضيه الشرّير ويتمسك بالله وحده (ع 31).إبراهيم أبو الآباء
(1) دعوة إبراهيم كانت دعوة إبراهيم 'اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك' (ع 1)، وقد ارتحل إبراهيم بأمر الله وهو لا يعرف إلى أين (عب 11:
8). كانت دعوته تحمل: أ - مفارقة العالم : بترك الأرض والعشيرة وبيت أبيه. ب - الوعد الإلهي بالبركة : 'فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك وتكون بركة' (ع 2). ج - الوعد بالميراث : 'إلى الأرض التي أريك'. كان هذا الارتحال رمزاً لـ معمودية الإنسان التي بها يترك الإنسان العالم ويُصبح له عهد مع الله. (2) إبراهيم يذهب إلى مصر إذ حل الجوع في أرض كنعان، 'انحدر إبراهيم إلى مصر ليتغرب هناك لأن الجوع في الأرض كان شديداً' (ع 10). يرى القديس أغسطينوس أن إبراهيم يرمز إلى السيد المسيح الذي نزل إلى مصر هرباً من هيرودس، أو هو رمز للمؤمن الذي لا يليق به أن يخاف من الضيق، بل يثق في رعاية الله. وفي مصر، خشي إبراهيم من جمال امرأته ساراي فادعى أنها أخته (ع 11-13)، فسقط في خطية الخوف من الضيق، وهذا خطأ بشري يتكرر في حياة المؤمنين، لكن الله تدخل في حماية ساراي، فضرب فرعون بيته بضربات عظيمة (ع 17). (3) إبراهيم يرجع إلى كنعان بعد أن وبخ فرعون إبراهيم على خداعه، أمر بإخراجه مع امرأته وكل ما له (ع 18- 20). لقد حفظ الله ساراي لكي لا يتوقف نسل الإيمان، وأعطى إبراهيم نعمة في عيني فرعون ليخرج بسلام (ع 16). وهكذا يختم الإصحاح بالعودة إلى بيت إيل، الموضع الذي فيه 'دعا باسم الرب' (ع 8). إن المؤمن قد يسقط في ضعفه، لكن محبة الله تتدخل لتعيده إلى الموضع الذي بدأ فيه بالعبادة.إبراهيم ولوط
(1) خصام الرعاة إذ كثرت مقتنيات إبراهيم ولوط جداً، حدث خصام بين رعاة إبراهيم ورعاة لوط، فلم يكن ممكناً أن يسكن الاثنان معاً (ع 6، 7). (2) انفصال إبراهيم عن لوط بادر إبراهيم بالتخلي عن لوط بالحب والصلح، قائلاً:
'لا تكن مخاصمة بيني وبينك وبين رعاتي ورعاتك لأننا نحن أخوان' (ع 8). عرض إبراهيم على لوط أن يختار أولاً، فـ 'رفع لوط عينيه ورأى دائرة الأردن كلها أن جميعها سقي، قبلما أخرب الرب سدوم وعمورة كجنة الرب كأرض مصر' (ع 10). كانت دائرة الأردن ترمز إلى العالم وشهواته، فمال قلب لوط إلى الأنانية واختار لنفسه 'كل دائرة الأردن' (ع 11)، أما إبراهيم فبقي في أرض كنعان. الرمز : انفصال لوط عن إبراهيم يمثل انفصال النفس بين من يسلك بـ الإيمان (إبراهيم) ومن يميل إلى الحياة الجسدانية (لوط). إبراهيم تطلع إلى الحب الأخوي، وقلب لوط إلى الأنانية، الأول اشتهى الفردوس والآخر طلب الأرض السقية ... لوط يمثل الإنسان المتدين، صاحب المعرفة النظرية والممارسات الشكلية، أما قلبه ففي محبة العالم غارقاً، وفي الأرض زاحفاً. أما الخطأ الثالث الذي ارتكبه لوط بجانب أنانيته وعدم تمييزه بين ما هو روحي وما هو زمني فهو عدم مبالاته بسكان المنطقة إذ كانوا 'أشراراً وخطاة لدى الرب جداً' الأمر الذي أفقده وعائلته الكثير، روحياً ومادياً.(3) الرب يبارك إبراهيم تمتع إبراهيم بمواعيد الله الفائقة:
'ارفع عينيك وانظر من الموضع الذي أنت فيه شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً ... قم امش في الأرض طولها وعرضها، لأني لك أعطيها' (ع 17). لم يرد الله أن يحصر إبراهيم في اتجاه واحد إنما طالبه بالتطلع نحو الاتجاهات الأربع، لكي يرى محبة المسيح الفائقة...ملكي صادق
(1) حرب الملوك:
تحدث هذا الإصحاح عن حرب بين أربعة ملوك ملوك الشمال (نهر الأردن وسوريا) ضد خمسة ملوك من الجنوب (سدوم وعمورة). لقد سقطت سدوم وعمورة في أسر الملوك المنتصرين، وتم سبي لوط وجميع ممتلكاته (ع 12). إن هذا السبي يرمز لـ سبي النفس في العالم واهتماماته.(2) إبراهيم يخلص لوط:
إذ سمع إبراهيم بخبر سبي لوط، قاد رجاله المدربين (318 رجلاً) وطارد الملوك حتى 'دان' وأنقذ لوطاً وجميع المسبين (ع 14، 15). هذه المطاردة ترمز لـ مجهود المؤمن لإنقاذ إخوته من الشر، أو لـ عمل السيد المسيح الذي قاد جيش الملائكة لاسترداد شعبه.(3) إبراهيم وملكي صادق:
بعد عودة إبراهيم من هزيمة الملوك، استقبله 'ملك صادق' ملك شاليم (أورشليم) بـ 'خبز وخمر' (ع 18)، وكان ملك صادق 'كاهناً لله العلي'، فـ 'باركه وقال: مبارك أبرام من الله العلي مالك السموات والأرض، ومبارك الله العلي الذي أسلم أعداءك في يدك' (ع 19، 20). ملك صادق رمز للمسيح : يشير ملكي صادق إلى السيد المسيح بكونه ملك السلام (شاليم) وكاهناً أعظم، إذ قدم الخبز والخمر كرمز لـ سر الإفخارستيا (الشركة المقدسة). إبراهيم يعطي العشور : أعطى إبراهيم العشور لملك صادق (ع 20)، وهذا يرمز إلى اعتراف إبراهيم بملك صادق ككاهن أعظم، كما يرمز إلى واجب العشور في العهد الجديد.(4) ملك سدوم رفض إبراهيم أن يأخذ شيئاً من ملك سدوم الذي قدم له كل الممتلكات المسبية، قائلاً:
'رفعت يدي إلى الرب الإله العلي مالك السماء والأرض، لا آخذنّ لا خيطاً ولا شراك نعل ولا من كل ما هو لك' (ع 22، 23)، لكي لا يقول ملك سدوم: 'أنا أغنيت إبراهيم'. إبراهيم رفض بركات العالم الزائلة ليثبت أنه نال البركة من الله وحده.عهد الله مع إبراهيم
(1) وعد بالنسل 'بعد هذه الأمور صار كلام الرب إلى أبرام في الرؤيا قائلاً:
لا تخف يا أبرام، أنا ترس لك، أجرك كثير جداً' (ع 1). فالله هو ترس للمؤمن، أي حمايته، و أجره كثير جداً، أي مكافأته الأبدية. اعترف إبراهيم أمام الله بأنه 'ماضٍ عقيماً' (ع 2)، فعده الله بالنسل الذي 'لا يُحصى' (ع 5). 'فآمن بالرب فحسبه له براً' (ع 6). هذه الآية هي أساس الإيمان بالرب الذي يحسب الإيمان به براً، وكما يقول الرسول: 'و لكن لم يكتب من أجله وحده أنه حُسب له، بل من أجلنا نحن أيضاً الذين سيُحسب لنا، الذين نؤمن بمن أقام يسوع ربنا من الأموات' (رو 4: 23، 24).(2) الذبيحة المنقسمة طلب إبراهيم علامة من الله ليعلم أنه سيرث الأرض (ع 8). طلب الله منه ذبيحة:
'خذ لي عجلة ثلاثية وعنزة ثلاثية وكبشاً ثلاثياً ويمامة وحمامة' (ع 9). وضع إبراهيم الحيوانات مقسومة بعضها مقابل بعض ما عدا الطيور (ع 10). مرور الكنيسة بين الشقوق يرمز لـ العهد الإلهي الذي يُبرم بـ الذبيحة (السيد المسيح)، ومرور الله 'بمصباح نار ودخان' (ع 17) بين الشقوق يشير إلى الله نفسه الذي أقسم على الوفاء بعهده. (3) وعد بملك كنعان في تلك الليلة أعلن الله أن نسل إبراهيم سيتغرب في أرض أخرى (مصر) 400 سنة ثم يخرجون ليرثوا أرض كنعان، 'لأن ذنب الأموريين ليس إلى الآن كاملاً' (ع 16). وهذا يبرهن على عدل الله الذي لا يهلك شراً إلا بعد اكتمال مقداره. في هذا العهد، يحدد الله حدود الأرض الموعودة 'من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات' (ع 18). هذا العهد يؤكد أن البركة تتحقق بالنعمة والإيمان لا بجهد الإنسان.هاجر وإسماعيل
(1) هاجر وساراي إذ تأخر تحقيق الوعد الإلهي، تدخلت ساراي بحكمة بشرية، فقدمت جاريتها المصرية 'هاجر' لزوجها إبراهيم لتلد له ولداً (ع 2)، ظناً منها أنها هكذا تحقق وعد الله. هاجر رمز للإنسان الجسداني :
يرى الآباء أن هاجر ترمز لـ الجسد (القوة المادية)، وساراي ترمز لـ الروح (الإيمان والوعود الإلهية). فعندما تتقدم القوة الجسدية على الروح، يحدث نزاع.(2) مشكلة هاجر عندما حملت هاجر، 'صغرت مولاتها في عينيها' (ع 4)، أي عندما اعتمد الإنسان على قوته الذاتية (الجسد) استخف بعمل النعمة (الروح). اشتكت ساراي لإبراهيم (ع 5)، وتصرفت بغضب حتى هربت هاجر منها (ع 6). (3) لقاء هاجر مع ملاك الرب التقى ملاك الرب بهاجر في البرية (ع 7)، وأمرها بالعودة والخضوع لساراي، ووعدها بنسل كثير (ع 10). عودة هاجر :
يرمز هذا إلى ضرورة خضوع الجسد للروح لكي ينال الجسد البركة والتقديس. هاجر دعت اسم الرب الذي كلمها: 'أنت إله رؤيا' (ع 13)، أي الإله الذي يرى ويرعى حتى في أشد الظروف قسوة.(4) ميلاد إسماعيل ولدت هاجر 'إسماعيل' الذي يعني 'الله يسمع' (ع 11)، وكان عمر إبراهيم 86 سنة (ع 16). إن إسماعيل يرمز لـ العبودية (غل 4:
24)، إذ وُلد من جارية، كما يرمز أيضاً للإنسان المتكبر الذي يستهزئ بنسل الوعد (إسحق). مع هذا، فالله في محبته لم يتجاهل إسماعيل بل وعده بأن يكون 'رجلاً وحشياً، يده على كل واحد ويد كل واحد عليه، وأمام جميع إخوته يسكن' (ع 12).ختان إبراهيم
(1) عهد الختان بعد 13 سنة من ميلاد إسماعيل، ظهر الله لإبراهيم وعمره 99 سنة، وقال له:
'أنا الله القدير. سر أمامي وكن كاملاً، فأجعل عهدي بيني وبينك وأكثّرك كثيراً جداً' (ع 1، 2). تغيير الاسم : غير الله اسم 'أبرام' (أب رفيع) إلى 'إبراهيم' (أب لجمهور من الأمم) (ع 5)، واسم 'ساراي' (سيدتي) إلى 'سارة' (أميرة) (ع 15). هذه التسمية تؤكد أن العطية الإلهية هي التي تصنع الإنسان وليس قدرته الذاتية، فإبراهيم صار أباً لأمم وهو لم ينجب إلا إسحق. فريضة الختان : كانت علامة العهد هي الختان ، ويجب أن يختتن كل ذكر في اليوم الثامن (ع 10-14). الختان يرمز لـ معمودية العهد الجديد ، فهو يقطع العضو الذي يسوده الشر ليُعلن تقديس الإنسان في المسيح. الختان يرمز أيضاً لـ ختان القلب ، أي قطع كل شهوة شريرة عن النفس.(2) الوعد بإسحق أعطى الله الوعد بإسحق، وقال لإبراهيم:
'وامرأتك ساراي لا تدع اسمها ساراي بل سارة يكون اسمها. وأباركها وأعطيك منها ابناً، وأباركها فتكون أمماً وملوك شعوب منها يكونون' (ع 15، 16). إسحق يعني 'يضحك'، لأن سارة ضحكت عندما سمعت الوعد في شيخوختها (تك 18: 12). هذا الوعد يرمز لـ الفرح العظيم الذي يتحقق بمجيء المخلص.(3) شفاعة إبراهيم لإسماعيل طلب إبراهيم أن يعيش إسماعيل 'أمامك' (ع 18). أجاب الله بوعد لإسماعيل:
'ها أنا قد باركته وأثمرته وأكثرته كثيراً جداً. اثني عشر رئيساً يلد وأجعله أمة كبيرة. ولكن عهدي أقيمه مع إسحق' (ع 20، 21). فالله لا يهمل إسماعيل ولكن البركة العظمى هي لإسحق، وهذا يرمز لـ التمييز الإلهي بين نسل الجسد ونسل الوعد. (4) تنفيذ الختان نفذ إبراهيم أمر الله في نفس اليوم، وختن جميع ذكور بيته وإسماعيل، وكان عمره 99 سنة (ع 23-27). الطاعة الفورية لإبراهيم تبرهن على قوة إيمانه وثقته في وعود الله.إبراهيم والضيوف
(1) ظهور الرب لإبراهيم 'وظهر له الرب عند بلوطات ممرا وهو جالس في باب الخيمة وقت حر النهار' (ع 1). ظهر الله لإبراهيم في هيئة ثلاثة رجال (ملائكة)، وهذا ما رآه آباء الكنيسة رمزاً لـ الثالوث القدوس . استقبلهم إبراهيم بتواضع وإكرام عظيم، فـ 'ركض من باب الخيمة لاستقبالهم وسجد إلى الأرض' (ع 2). (2) الوعد بولادة إسحق بعد أن أكل الضيوف مما قدمه إبراهيم، سألوا عن سارة، ثم أعلنوا الوعد:
'أني أرجع إليك نحو زمان الحياة ويكون لسارة امرأتك ابن' (ع 10). ضحك سارة سارة ضحكت في قلبها لشيخوختها هي وإبراهيم (ع 12)، وعندما سألها الرب أنكرت (ع 15)، فأكد لها الرب: 'لا، بل ضحكت'. ضحك سارة يمثل ضعف الإيمان البشري ، بينما الرب يؤكد أن لا شيء يعسر على الله (ع 14).(3) شفاعة إبراهيم لسدوم أعلن الرب لإبراهيم عزمه على إهلاك سدوم وعمورة لشرورهما العظيمة (ع 20). فتقدم إبراهيم يشفع بالصلاة، متسائلاً:
'أفتهلك البار مع الأثيم؟' (ع 23). بدأ إبراهيم شفاعته بـ خمسين باراً، ثم تنازل بالعدد حتى وصل إلى عشرة أبرار (ع 24-32). الشفاعة الإبراهيمية : ترمز لـ شفاعة السيد المسيح عن شعبه، وتشير أيضاً لـ قوة صلاة البار ، وكيف أن إبراهيم لم يكف عن الشفاعة حتى أعلن الرب أنه لو وجد عشرة أبرار لن يهلك المدينة. (4) تعليم الأبناء إن الله أشرك إبراهيم في أسراره لكي 'يوصي بنيه وبيته من بعده أن يحفظوا طريق الرب ليعملوا براً وعدلاً' (ع 19). فمكافأة إبراهيم كانت أن يكون أبوه الروحي لنسل البر.هلاك سدوم وعمورة
(1) ملائكة الرب عند لوط جاء إلى سدوم في المساء 'ملاكان'، قابلهما لوط بنفس تواضع إبراهيم (ع 1)، وقدم لهما ضيافة في بيته، بينما أحاط رجال سدوم بالبيت، مطالبين لوطاً بإخراج الضيفين لـ 'يعرفوهما' (ع 5). هذه الرغبة الجنسية الشاذة لرجال سدوم كانت سبب إهلاكهم، ويطلق على هذه الخطية اسم السدومية (Homosexuality). (2) خروج لوط وعائلته أعلن الملاكان للوط عزمهما على إهلاك المدينة، فقام لوط وأنذر أصهاره، لكنهم ظنوا أنه 'مازح' (ع 14)، وهذا يمثل استهزاء العالم بتحذيرات الله. سار الملاكان بلوط وزوجته وابنتيهما من سدوم (ع 16)، وأمروه بالهرب إلى الجبل، وعدم 'النظر إلى الوراء' (ع 17). (3) امرأة لوط 'ونظرت امرأته من ورائه فصارت عمود ملح' (ع 26). نظرها إلى الوراء يرمز لـ التعلق بملذات العالم والرغبة في العودة إليها، كما قال السيد المسيح:
'اذكروا امرأة لوط' (لو 17: 32). (4) هلاك سدوم وعمورة 'فأمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتاً وناراً من عند الرب من السماء' (ع 24). كان هذا الهلاك رمزاً لـ دينونة الخطية ، ولكن الله 'تذكر إبراهيم' فأنقذ لوطاً (ع 29). (5) خطية لوط وابنتيه بعد أن نجا لوط، سكن في مغارة في الجبل، فظنت ابنتاه أنه لا يوجد رجل في الأرض، فسقتا أباهما خمراً واضطجعتا معه، فولدت الكبرى 'موآب' (من أب) والصغرى 'بن عمي' (ابن شعبي)، وهما سلالة الموآبيين والعمونيين الذين صاروا أعداء لشعب الله (ع 30-38). يرى القديس أغسطينوس في تصرف الابنتين أنهما خافتا من انقراض نسلهما، لكن الخطأ يكمن في عدم ثقتهما في عناية الله، وأنهما أقدمتا على هذا الفعل بدافع الشهوة.إبراهيم في جرار
(1) إبراهيم وأبيمالك بعد دمار سدوم، ارتحل إبراهيم إلى 'جرار' (ع 1). خاف إبراهيم من أبيمالك ملك جرار فـ 'قال عن سارة امرأته هي أختي' (ع 2)، وهذه هي المرة الثانية التي يكرر فيها إبراهيم نفس الخطأ (الأولى في مصر تك 12:
13)، مما يدل على ضعف الإنسان حتى بعد تجاربه الروحية العظيمة.(2) تدخل الله تدخل الله لحماية سارة في حلم ليلي لأبيمالك، وقال له:
'إنك ميت بسبب المرأة التي أخذتها، فإنها متزوجة ببعل' (ع 3). أكد الله لأبيمالك أنه لم يأخذ سارة بنية سليمة ، ولهذا لم يسمح له بالمساس بها (ع 6).(3) شفاعة إبراهيم قام أبيمالك ووبخ إبراهيم على خداعه (ع 9)، فاعتذر إبراهيم بخوفه من عدم وجود 'مخافة الله' في المكان (ع 11). أمر الله أبيمالك أن يطلب من إبراهيم أن يصلي لأجله لكي يغفر له (ع 7). 'فصلى إبراهيم إلى الله فشفى الله أبيمالك وامرأته وجواريه فولدن' (ع 17). قوة صلاة البار :
هذا يبرز مكانة إبراهيم كـ نبي (ع 7) وكيف أن صلاته كانت مقبولة لدى الله حتى لأجل إنسان أخطأ في حقه. (4) موقف أبيمالك أعاد أبيمالك سارة لإبراهيم مع غنم وبقر وعبيد، ودفع له 'ألفاً من الفضة' كغطاء عيني لها (ع 16)، لكي تُعرف بأنها امرأة متزوجة، فصارت سارة حرة ومكرمة.ميلاد إسحق
(1) ولادة إسحق بعد حوالي 25 سنة من الوعد الأول، 'افتقد الرب سارة كما قال، وفعل الرب لسارة كما تكلم' (ع 1). ولدت سارة ابناً، ودعاه إبراهيم 'إسحق' (أي 'يضحك')، وكان عمر إبراهيم 100 سنة (ع 5). الضحك هنا هو ضحك الفرح والإيمان بتحقيق الوعد الإلهي. (2) طرد هاجر وإسماعيل إذ رأى إسماعيل (ابن الجارية) يسخر بـ 'إسحق' (ابن الوعد) (ع 9)، طلبت سارة من إبراهيم أن يطرد هاجر وابنها، فـ 'ساء الأمر جداً في عيني إبراهيم لسبب ابنه' (ع 11). تدخل الله ليؤكد لإبراهيم أن يطيع سارة، لأن 'بإسحق يدعى لك نسل' (ع 12)، ووعده بأن يجعل من إسماعيل أيضاً أمة (ع 13). الرمز :
طرد الجارية (هاجر) يرمز لـ تحرير المؤمن من عبودية الناموس (الجسد) للعيش بـ حرية النعمة (الروح) مع إسحق (نسل الوعد) (غل 4: 22-31). (3) رعاية الله لإسماعيل خرجت هاجر وابنها وتاها في البرية، حتى كاد الغلام يموت عطشاً (ع 15). تدخل الله ليفتح عيني هاجر فـ 'أبصرت بئر ماء' (ع 19). 'وكان الله مع الغلام فكبر، وسكن في برية فاران، وكان يرمي القوس' (ع 20). الله في محبته لا يتخلى عن أحد حتى عن نسل الجارية. (4) عهد إبراهيم وأبيمالك أقام إبراهيم عهداً مع أبيمالك ملك جرار (نفس الملك في الإصحاح 20) (ع 22). كان العهد بخصوص بئر حفرها إبراهيم (ع 30)، ودعاها 'بئر سبع' (بئر القسم/السبعة) (ع 31). هذا العهد يمثل سلام إبراهيم مع جيرانه الوثنيين، وإعلاناً لسيادته على الأرض الموعودة.تقديم إسحق محرقة
(1) تجربة إبراهيم 'حدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم' (ع 1). التجربة هنا لتقوية إيمانه وتثبيته. أمره الله بتقديم إسحق (ابن الوعد والضحك) محرقة على جبل 'المُريا' (يرى الرب) (ع 2). الطاعة الفورية :
'فبكر إبراهيم صباحاً' (ع 3). طاعة إبراهيم الفورية ترمز لـ طاعة السيد المسيح الكاملة للآب.(2) الذبيحة سأل إسحق أباه:
'أين الخروف للمحرقة؟' (ع 7). أجابه إبراهيم بإيمان: 'الله يرى له الخروف للمحرقة يا ابني' (ع 8). هذا القول يحمل نبوءة عن السيد المسيح الذي قدمه الآب ذبيحة.(3) الذبيحة الإلهية حينما هم إبراهيم بتقديم ابنه، تدخل ملاك الرب ليمسك يده (ع 11)، ووفر الرب لـ 'إبراهيم كبشاً وراءه ممسكاً في الغابة بقرنيه' (ع 13)، فقدمه إبراهيم محرقة عوض ابنه. ودعا إبراهيم اسم ذلك الموضع يهوه يرأه (الرب يرى/يدبر) (ع 14). إسحق رمز للمسيح :
تقديم إسحق يرمز لـ ذبيحة المسيح ، فكلاهما الابن الوحيد، وحمل كل منهما خشبة الصليب (الحطب) إلى الجبل، وتقديم إسحق كان رمزاً لـ قيامة المسيح ، إذ أن إبراهيم 'حسب أن الله قادر أن يقيمه من الأموات أيضاً' (عب 11: 19). (4) بركة إبراهيم بسبب إيمانه وطاعته، جدد الله وعده لنسل إبراهيم بأن يكونوا 'كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر' (ع 17)، وأن 'يتبارك في نسلك جميع أمم الأرض' (ع 18)، وهذا تحقق بـ السيد المسيح ، نسل إبراهيم. (5) أنساب ناحور يختم الإصحاح بذكر نسل ناحور أخي إبراهيم، وخاصة ولادة 'رفقة' ابنة بتوئيل (ع 23)، التي ستكون زوجة لإسحق.موت سارة ودفنها
(1) موت سارة ماتت سارة وعمرها 127 سنة في 'قرية أربع التي هي حبرون في أرض كنعان' (ع 2). لقد عاشت سارة حياة الإيمان كمثال حي لـ المرأة المؤمنة (1بط 3:
6).(2) شراء حقل المكفيلة قام إبراهيم ليشتري مقبرة لدفن سارة من بني حث (الحيثيين) (ع 3). رفض إبراهيم الهبة المجانية من عفرون الحثي (ع 11)، وأصر على شراء الحقل بـ أربعمائة شاقل فضة (ع 16). مغارة المكفيلة :
هذا يرمز لـ تملُّك إبراهيم لأرض الموعد حتى ولو كانت قطعة أرض صغيرة لدفن الموتى، فهو يؤمن بالقيامة واستحقاق الوعد الإلهي.(3) رمز الدفن في المكفيلة مغارة المكفيلة صارت مدفناً لـ إبراهيم وسارة، وإسحق ورفقة، ويعقوب وليئة (تك 49:
30، 31). هذا يؤكد وحدة الإيمان في العائلة، ويشير إلى القيامة من الأموات ، فجسد الإنسان لا يفنى بل يستريح لانتظار القيامة.زواج إسحق ورفقة
(1) وصية إبراهيم أراد إبراهيم لـ إسحق (ابن الوعد) أن يتزوج من نسله الروحي لا من بنات الكنعانيين (ع 3)، فألزم خادمه بالقسم على 'أن لا تأخذ زوجة لابني من بنات الكنعانيين' (ع 3). هذا يرمز لـ حرص الآباء الروحيين على نقاوة نسلهم. (2) الخادم الوفي (إليعازر) قام الخادم بـ رحلة إيمان إلى 'أرام النهرين' (ع 10) ليأتي بزوجة لإسحق. صلى الخادم لله طالباً علامة لرفقة (ع 12)، وكانت العلامة أن تُقدم هي له ولجماله ماء (ع 14). الخادم رمز للروح القدس :
يرمز الخادم إليعازر (الذي يعني 'الله عوني') لـ الروح القدس الذي يقود الكنيسة (رفقة) لترتبط بـ المسيح (إسحق). (3) رفقة واستجابة الصلاة ظهرت رفقة (التي تعني 'محبوبة') عند البئر، وخدمت الخادم والجمال، فكانت استجابة فورية لصلاة الخادم (ع 15-20). قَبِلت رفقة الانضمام إلى إسحق طوعاً (ع 58)، وهذا يرمز لـ استجابة النفس لعمل الروح القدس. (4) لقاء إسحق ورفقة التقى إسحق بـ رفقة في 'بئر لحي رُئي' (بئر الحي الذي يراني) في المساء (ع 62-65)، وأحبها، فـ 'تعزى إسحق بعد أمه' (ع 67). هذا اللقاء يرمز لـ علاقة الحب بين المسيح وكنيسته.موت إبراهيم ونسل إسحق
(1) زواج إبراهيم من قطورة تزوج إبراهيم بـ قطورة بعد موت سارة (ع 1)، وأنجب منها ستة أبناء، وقدم لهم إبراهيم 'عطايا'، لكنه أعطى 'كل ما كان له لإسحق' (ع 5). (2) موت إبراهيم مات إبراهيم 'بشيبة صالحة، شيخاً وشبعان أياماً' (ع 8)، ودفنه إسحق وإسماعيل في مغارة المكفيلة (ع 9). (3) أنساب إسماعيل يذكر الكتاب أنساب إسماعيل الـ 12 رئيساً، وكأن الله يوفي بعهده لإبراهيم بأن يباركه (ع 12-18). (4) ميلاد عيسو ويعقوب كانت رفقة زوجة إسحق عاقراً، وقد صلى إسحق من أجلها فولدت ابنيها عيسو ويعقوب ، وإذ كان في أحشائها جنينان تزاحما معاً، فقالت رفقة:
'إن كان هكذا فلماذا أنا؟!' (ع 22). هذا الصراع بين عيسو ويعقوب يرمز لـ صراع الجسد والروح (غل 5: 17). عيسو : الأول ولد 'أحمر كله كفروة شعر' (ع 25)، ودُعي اسمه 'عيسو' (شعر)، وهو يرمز لـ آدم القديم (الإنسان الترابي). يعقوب : خرج يمسك بعقب عيسو، ودُعي 'يعقوب' (يمسك بالعقب/يحل محل) (ع 26)، وهو يرمز لـ آدم الجديد (الإنسان الروحي). (5) بيع البكورية باع عيسو بكوريته ليعقوب بـ أكلة عدس (ع 29-34)، فـ 'احتقر عيسو البكورية' (ع 34). هذا يمثل استخفاف عيسو بوعود الله وبركات العهد، وتفضيله لملذات الجسد الزائلة، بينما يعقوب كان حريصاً على نوال البركة الروحية.إسحق في جرار
(1) إسحق وأبيمالك حدث جوع في الأرض، فأراد إسحق النزول إلى مصر كما فعل أبوه، لكن الله منعه:
'لا تنزل إلى مصر. اسكن في الأرض التي أقول لك. تغرب في هذه الأرض فأكون معك وأباركك' (ع 2، 3). وعد الله لإسحق : جدد الله لإسحق الوعد ببركة إبراهيم: 'أكثر نسلك كنجوم السماء وأعطي نسلك جميع هذه البلاد، وتتبارك في نسلك جميع أمم الأرض' (ع 4). إسحق يكرر خطأ أبيه : خاف إسحق من رجال جرار فـ 'قال إن رفقة أختي' (ع 7). لكن أبيمالك (الذي خلف أبيمالك القديم) اكتشف خداعه (ع 8) وأنذره: 'إن الذي يمس هذا الرجل أو امرأته موتاً يموت' (ع 11).(2) نجاح إسحق بارك الله إسحق، فزرع وحصد 'مئة ضعف' (ع 12)، فـ 'حسده الفلسطينيون' (ع 14). (3) الخصام حول الآبار بسبب الحسد، ردم الفلسطينيون الآبار التي حفرها إبراهيم (ع 15). فـ 'خاصموا رعاة إسحق' على الآبار، فدعاها أسماء تعكس الخصام:
عسق (خصام) و سطنة (عداوة) (ع 20، 21). ثم حفر بئراً ثالثة ودعاها رحوبوت (متسع) (ع 22)، قائلاً: 'الآن قد أفسح لنا الرب وأثمرنا في الأرض'.(4) لقاء إسحق وأبيمالك ظهر الله لإسحق في بئر سبع (ع 24)، ثم جاء إليه أبيمالك ورئيس جنده ليقيم معه عهداً بسلام (ع 26-30). حكمة إسحق :
سألهم إسحق: 'لماذا جئتم إليّ وأنتم قد أبغضتموني وأرسلتموني من عندكم؟' (ع 27). أجابوه بأنهم رأوا أن 'الرب كان معك' (ع 28). أقام إسحق لهم مأدبة وأقسموا عهداً بسلام (ع 30)، فـ 'نادوا اسم البئر شبعة' (ع 33). سلام إسحق : إسحق كان مثالاً لـ الإنسان الهادئ المسالم ، الذي بالرغم من كل الصراعات لم يتوقف عن العمل، بل يبعث في النهاية نعمة في أعين الجميع! قابل إسحق مخاوفهم بالحب، فصنع لهم ضيافة وأكرمهم بعد أن أقام معهم ميثاق صلح ومحبة وسلام. (5) زواج عيسو من الحيثيين تزوج عيسو بامرأتين من بني حث، كانتا مرارة نفس لإسحق ورفقة (ع 34، 35). لم يكن حكيماً في تصرفه إذ التحم بوثنيتين أفسدتا علاقته بوالديه وحرمتاه ونسله من السلام.إسحق يبارك يعقوب استطاع يعقوب أن يختلس البكورية من أخيه عيسو بأكلة عدس، والآن تدبر له أمه الأمر ليغتصب البركة من أبيه إسحق عوض عيسو
(1) إسحق يستدعي عيسو :
وحدث لما شاخ إسحق وكلت عيناه عن النظر أنه دعا عيسو ابنه الأكبر وقال: 'يا ابني ... إني قد شخت ولست أعرف يوم وفاتي، فالآن خذ عُدّتك، جعبتك وقوسك، واخرج إلى الصحراء وتصيَّد لي صيداً، واصنع لي أطعمة كما أحب، وأتني لأكل، لكي تباركك نفسي قبل أن أموت' (ع 2-4).(2) تدبير رفقة ويعقوب :
سمعت رفقة كلام إسحق، فطلبت من يعقوب أن يغتصب البركة. الخداع : لبس يعقوب ثياب عيسو، ووضعت رفقة على يديه وعنقه جلوداً من جدي المعز ليوهم أباه بأنه عيسو (ع 15، 16). هذا الخداع نتج عنه اختلاط الحواس عند إسحق، فـ 'صوت صوت يعقوب وأما الأيدي فأيدي عيسو' (ع 22).(3) بركة إسحق ليعقوب :
بعد أن أكل إسحق من طعام يعقوب (وهو طعام أعدته رفقة)، باركه بالبركة العظمى: 'يعطيك الله من ندى السماء ومن دسم الأرض وكثرة حنطة وخمر. تستعبد لك شعوب وتسجد لك قبائل' (ع 28، 29).(4) بكاء عيسو ومرارة إسحق :
بعد قليل، جاء عيسو بالطعام، فاكتشف إسحق الخدعة (ع 33)، 'فارتعد إسحق ارتعاداً عظيماً'. هذا يبرهن على أن البركة روحية وإلهية وليست بيد إنسان. بكى عيسو بمرارة طالباً بركة (ع 34)، فباركه إسحق بركة أقل: 'يكون مستقرك بعيداً عن دسم الأرض وبعيداً عن ندى السماء من فوق. وبسيفك تعيش ولأخيك تستعبد، ولكن يكون حينما تثور أنك تكسر نيره عن عنقك' (ع 39، 40).(5) عيسو يعد بقتل يعقوب :
حقد عيسو على يعقوب (ع 41). تدبير رفقة : خافت رفقة أن يقتل عيسو أخاه، فطلبت من يعقوب أن يهرب إلى 'حاران' إلى لابان أخيها، قائلاً: 'اذهب واهرب إلى لابان أخي إلى حاران، وأقم عنده أياماً قليلة حتى يرتد سخط أخيك' (ع 43، 44). وهكذا حرمت رفقة من ابنها يعقوب كثمرة لتخطيطها البشري وخداعها لزوجها.يعقوب والسماء المفتوحة إذ بارك إسحق ابنه يعقوب أوصاه – كطلب رفقة – أن ينطلق إلى خاله لابان ليتزوج من بناته زوجة له تقدر أن تسنده في طريق إيمانه ولا يرتبط كأخيه ببنات حث الوثنيات ... وفي الطريق انفتحت السموات ليرى يعقوب سلماً رأسه في السماء وملائكة الله صاعدون ونازلون عليه، والرب واقف عليه ... وإذ استيقظ من نومه قال: 'ما أرهب هذا المكان! ما هذا إلا بيت الله وهذا باب السماء' (ع 17)، ودعا اسم المكان 'بيت إيل' (بيت الله) (ع 19). رؤيا السلم : السلم يرمز لـ السيد المسيح بكونه الرابط بين السماء والأرض، والملائكة الصاعدة والنازلة عليه ترمز لـ الكنيسة التي لها شركة مع السمائيين، فالله هو الذي يسند يعقوب في هروبه. وعد الله ليعقوب : جدد الله ليعقوب وعود إبراهيم وإسحق بالنسل والأرض والرعاية: 'ها أنا معك، وأحفظك حيثما تذهب، وأردك إلى هذه الأرض، لأني لا أتركك حتى أفعل ما كلمتك به' (ع 15). نذر يعقوب : نذر يعقوب نذراً قائلاً: 'إن كان الله معي ... وعاد بي بسلام إلى بيت أبي، يكون الرب لي إلهاً، وهذا الحجر الذي أقمته عموداً يكون بيت الله، وكل ما تعطيني فإني أعشره لك' (ع 20-22). نذر يعقوب يمثل الإيمان العملي الذي يلتزم بالعشر كجزء من عبادته وشكره لله.
يعقوب وراشيل وليئة
(1) لقاء يعقوب وراشيل وصل يعقوب إلى 'أرض بني المشرق' (حاران)، ووجد بئراً عند الحقل (ع 1-3). وهناك ثلاثة قطعان غنم رابضة عندها، لأنهم كانوا من تلك البئر يسقون القطعان، والحجر على فم البئر كان كبيراً' (ع 2). إذ كان يعقوب يتحدث مع الرعاة أبصر راحيل قادمة ومعها غنم خاله لابان، فتقدم ودحرج الحجر عن فم البئر وسقى غنم خاله لابان، وقبَّل يعقوب راحيل ورفع صوته وبكى وأخبرها أنه أخو أبيها وأنه ابن رفقة، فركضت وأخبرت أباها... وإذ جاء لابان قال له:
'إنما أنت عظمي ولحمي، فأقام عنده شهراً'. لعل دحرجة الحجر أيضاً تذكرنا بما تم في يوم قيامة السيد المسيح من بين الأموات، إذ قام والحجر على فم القبر، لكنه بعث بملكه يدحرج الحجر لنشرب من ماء بئر قيامته.. بدفننا معه وقيامتنا أيضاً معه.(2) يعقوب يخدم خاله :
إذ سأله لابان عن أجرته، طلب يعقوب أن يخدم سبع سنوات في مقابل الزواج بـ 'راشيل' ابنة لابان الصغرى (ع 18). الخداع : في ليلة الزفاف، قدم لابان لابنته الكبرى 'ليئة' بدلاً من راحيل (ع 23). وعندما اكتشف يعقوب الخدعة، قال لابان: 'لا يُفعل هكذا في مكاننا أن تُعطى الصغيرة قبل البكر' (ع 26). الرمز : هذا الخداع يمثل عقوبة ليعقوب لخداعه لأبيه إسحق (تك 27: 19)، وكما خدع يعقوب أباه، خدعه خاله لابان.(3) خدمة يعقوب ليتزوج راحيل :
وافق يعقوب على خدمة سبع سنوات أخرى ليتزوج بـ راحيل (ع 30).(4) أولاد يعقوب لأن الله رأى 'أن ليئة مكروهة'، 'فتح رحمها' (ع 31). أنجبت ليئة:
رأوبين (انظر ابناً)، شمعون (سمع)، لاوي (يقترن)، يهوذا (احمد الرب) (ع 31-35). ثم توقفت عن الإنجاب، بينما كانت راحيل عاقراً.استمرار نسل يعقوب
(1) راشيل وجاريتها إذ رأت راحيل أنها لم تلد ليعقوب، قدمت له جاريتها بلهة لتلد له (ع 3). ولدت بلهة:
دان (قضى) و نفتالي (مصارعات) (ع 6-8).(2) ليئة وجاريتها رأت ليئة أنها توقفت عن الإنجاب، فقدمت هي الأخرى جاريتها زلفة ليعقوب (ع 9). ولدت زلفة:
جاد (سعداً) و أشير (بسعادتي) (ع 10-13).(3) أولاد ليئة الآخرون عادت ليئة للإنجاب فأنجبت:
يساكر (أجر) و زبولون (زواج) (ع 17-20)، وأنجبت دينة (قضاء) (ع 21).(4) ميلاد يوسف 'ذكر الله راحيل، وفتح رحمها' (ع 22)، فولدت يوسف (يزيد) (ع 24). (5) يعقوب يطلب أجرته :
ما إن بدأ الاستقرار العائلي بسبب إنجاب الزوجتين، هنا بدأ يعقوب يفكر في العودة إلى أرض كنعان، قائلاً للابان خاله: 'اصرفني لأذهب إلى مكاني وإلى أرضي، أعطني نسائي وأولادي الذين خدمتك بهم فأذهب، لأنك أنت تعلم خدمتي التي خدمتك' (ع 26). كانت هذه الكلمات تحمل شيئاً من العتاب الحازم، فقد قضى 14 سنة يخدمه ليتزوج بنتيه، وحوالي ست سنوات لا يأخذ شيئاً سوى...هروب يعقوب من لابان
(1) هروب يعقوب شعر يعقوب بأن 'وجه لابان ليس نحوه كأمس وأول من أمس' (ع 2)، وخاف من حسد أولاد لابان لأجل الغنى الذي ناله، فطلب منه الله أن يرجع إلى أرضه وعشيرته (ع 3). أخذ يعقوب نساءه وأولاده وأمواله وهرب سراً من لابان (ع 21)، دون أن يعلم لابان، لأن لابان كان قد 'ذهب ليجزَّ غنمه' (ع 19). (2) سرقة آلهة لابان قامت راحيل بسرقة 'الأصنام' (آلهة) لابان التي كانت تستخدم في العرافة (ع 19). لعلها كانت تريد التخلص منها، لكن هذا يُظهر تعلقها بالوثنية. (3) لابان يطارد يعقوب لحق لابان بيعقوب بعد ثلاثة أيام، لكن الله ظهر له في حلم ليلي وحذره:
'احترز من أن تكلم يعقوب بخير أو شر' (ع 24).(4) العهد بين يعقوب ولابان وبخ لابان يعقوب على هروبه (ع 27)، ثم اكتشف أن يعقوب لم يسرق الأصنام، لأن راحيل خبأتها وجلست عليها (ع 34، 35). أقام يعقوب ولابان عموداً حجرياً للعهد بينهما، ودعاه 'يجر سهدوتا' (تل الشهادة) بالعربية و'جلعيد' بالعبرية (ع 47). كان العهد ينص على أن لا 'يجتاز أحدنا إلى الآخر بهذا التل للشر' (ع 52). الرمز :
يعقوب يرمز لـ الكنيسة التي تنفصل عن العالم (لابان) لتذهب إلى أرض الموعد، ولكن لا تستطيع الانفصال الكامل حتى تتخلص من بقايا الوثنية (الأصنام المسروقة).يعقوب يصارع
(1) يعقوب يلتقي بملائكة الله بعد انفصاله عن لابان، التقى يعقوب بملائكة الله في 'محنايم' (جَيْشَيْن) (ع 1، 2). هذا يرمز لـ رعاية الله لشعبه، الكنيسة يحميها الله بجنوده (ملائكة الله). (2) يعقوب يبعث رسل لأخيه :
خاف يعقوب من عيسو، فأرسل إليه رسلاً ليختبر شعوره نحوه (ع 3). عندما سمع أن عيسو قادم للقائه ومعه أربعمائة رجل، خاف يعقوب جداً وقسم موكبه إلى جيشين (ع 7، 8).(3) صلاة يعقوب وتقديم الهدايا :
صلى يعقوب صلاة توبة وتواضع (ع 9-12)، ثم أرسل هدية ضخمة لعيسو (ع 13-21)، وهذا يمثل جهاد المؤمن (الصلاة والعمل) لمواجهة الضيق.(4) يعقوب يصارع مع الله في الليل، ظهر ليعقوب 'رجل' وصارعه حتى الفجر (ع 24). لم يستطع الرجل أن يغلب يعقوب، فضرب 'كف فخذه'، فـ 'انخلع كف فخذ يعقوب في مصارعته معه' (ع 25). نوال اسم جديد :
سأل الرجل يعقوب عن اسمه، ثم غيره إلى إسرائيل (الذي يعني 'يصارع مع الله')، لأنه 'جاهدت مع الله والناس وقدرت' (ع 28). الرجل الإلهي : هذا الرجل هو السيد المسيح بكونه 'ملاك العهد' الذي ظهر ليعقوب. دعى يعقوب الموضع الذي تم فيه هذا الصراع: 'فنيئيل' (أي 'وجه الله')، إذ حسب نفسه مغبوطاً أن يرى الله وجهاً لوجه وتنجو نفسه ... وإذ أشرقت الشمس انطلق يعقوب ليلحق بأسرته متشدداً بهذه الرؤى وهذا الجهاد.لقاء يعقوب مع عيسو إن كان يعقوب قد دبر الأمر لملقاة أخيه عيسو بالصلاة وتقديم هدايا وتقسيم أسرته إلى جيشين، فإن الله من جانبه هيأ قلب عيسو فأشعل فيه مشاعر الأخوة وألهب فيه الحنين نحو لقاء أخيه.
(1) لقاء الأخوين :
تطلع يعقوب فرأى أخاه قادماً من بعيد ومعه رجاله فخاف، وقسم عائلته هكذا: يبدأ الموكب بالجاريتين وأولادهما ثم ليئة وأولادها وأخيراً راحيل وابنها يوسف، أما هو فتقدم الكل وسجد إلى الأرض سبع مرات قبل لقائه بعيسو. تواضع يعقوب : قاد يعقوب الموكب لا بروح التشامخ والعنف بل بروح التواضع إذ كان يسجد لأخيه سبع مرات علامة كمال الخضوع.(2) محبة عيسو :
إذ رأى عيسو أخاه حنت أحشاؤه نحوه، إذ يقول الكتاب: 'فركض للقائه ووقع على عنقه وقبَّله، وبكيا' (ع 4)... وكأنه قد نسي الماضي بما يحمله من حقد وحسد!(3) قبول الهدية والرحيل :
عيسو حاول الاعتذار عن تقبل الهدية، لكن يعقوب ألح عليه: 'إن وجدت نعمة في عينيك تأخذ هديتي من يدي، لأني رأيت وجهك كما يُرى وجه الله إذ رضيت عليّ' (ع 10). هذا التعبير يعكس سلام يعقوب الداخلي ، فقد رأى وجه عيسو الراضي كوجه الله.(4) وصول يعقوب إلى شكيم :
افترق الأخوان، فذهب عيسو إلى 'سعير' (ع 16)، بينما ارتحل يعقوب 'إلى سكوت' ثم وصل إلى 'ساليم مدينة شكيم' (ع 18). اشترى يعقوب قطعة أرض هناك ونصب فيها خيمته، وبنى فيها مذبحاً، ودعاه إيل إله إسرائيل (أي 'الله إله إسرائيل') (ع 20). هذا يمثل استقرار يعقوب الروحي وتكريسه للمكان لعبادة الله بعد أن نال اسمه الجديد.دينة ومذبحة شكيم
(1) دينة بنت يعقوب خرجت دينة (بنت ليئة) لـ 'تنظر بنات الأرض'، فـ 'رآها شكيم بن حمور الحوي، رئيس الأرض، فأخذها واضطجع معها وأذلها' (ع 1، 2). ثم 'تعلقت نفسه بدينة' وطلب الزواج منها (ع 3). (2) خداع أولاد يعقوب إذ سمع يعقوب بالحادثة، 'سكت حتى جاء أولاده' (ع 5). أخذ أولاد يعقوب الأمر بالغضب، وطلبوا الختان لكل أهل شكيم كشرط للزواج والاندماج، وكان هذا 'بمكر' لكي يخدعوهم (ع 13). (3) المذبحة بعد أن اختتن أهل شكيم في اليوم الثالث، 'كانوا متوجعين'، فقام شمعون ولاوي (أخوة دينة الشقيقان) وقتلا كل ذكر في المدينة، بما فيهم شكيم وحمور، ونهبا المدينة (ع 25-29). (4) غضب يعقوب :
غضب يعقوب على شمعون ولاوي، قائلاً: 'كدرتماني بتنجيسي لي عند سكان الأرض... فيجتمعون عليّ ويضربونني فأبيد أنا وبيتي' (ع 30). يعقوب : خاف على سلامته من جيرانه. شمعون ولاوي : دافعوا عن شرف أختهم بالانتقام العنيف، قائلين: 'أفعلون بأختنا فعل الزواني؟' (ع 31). هذا يبرهن على أن تصرفهم لم يكن بروح الله، فقد أدخلوا الفزع في قلوب يعقوب، وكلفهم الأمر فقدان البركة (تك 49: 5-7).يعقوب يعود إلى بيت إيل